حاملًا وهج فرحة حاول الاحتلال إطفاءها

"الشهداء لم يغيبوا".. مهند الحلبي يولد من جديد

صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

"الشهداء لا يعودون لأنهم لم يغيبوا"؛ فلم يغب الشهيد مهند الحلبي عن قلب والدته، وظل مثل لؤلؤة وشمعة حية لم ينطفئ وهجها برحيله شهيدًا، ليعود الاسم مرة أخرى في أحشائها جنينًا، ثم مولودًا يبصر الحياة، حاملًا معه وهج فرحة جديدة حاول الاحتلال إطفاءها خلال السنوات الأربع الماضية.

ممدد على سرير أبيض، يغطيه قبعة ولباس كلون السرير، مكتف اليدين، مغمض العينين، يتنفس الحياة في أول أيامه، لا يدري المولود الجديد أن من بداخل تلك الصورة قرب رأسه ويرتدي سترة حمراء كلون الدماء التي سالت منه لحظة استشهاده؛ هو "مهند الحلبي" الذي يحمل اسمه وأصبح رمزًا للنضال الفلسطيني.

لحظات اختلطت فيها المشاعر؛ بين حزن على فراق ابن غال، وسعادة باستقبال مولود جديد، متناقضات لا يعيشها إلا أبناء الشعب الفلسطيني، رزقت والدة الشهيد مهند الحلبي أخيرًا مولودًا جديدًا أطلقت عليه اسم "مهند الحلبي" تيمنًا بأخيه الراحل.


وليس الاسم وحده المتشابه هنا، فتشرين الأول (أكتوبر) دوّن تاريخ ارتقاء الشهيد مهند عام 2015م، وها هو الشهر نفسه يستقبل "مهند الجديد"، ليحمل معه فرحة كبيرة، لعلها تخفف من ألم فراق شقيقه.

على طرف سماعة الهاتف الأخرى، بنبرة ممزوجة بالفرح، تقول والدة الشهيد والمولود الجديد: "أطلقت اسم مهند على المولود الجديد لإحياء ذكرى اسم نجلي الشهيد، ولنؤكد أننا شعب يحب الحياة، وليعلم الاحتلال أنه حينما يغيب الشهداء وينقص فرد من أفراد الأسرة فإننا نستطيع بإذن الله تعويضه".

ترقب وقلق مع اقتراب لحظات المخاض عاشتهما العائلة، بانتظار فرحة غابت أربع سنوات، حتى الأطباء في المشفى كانوا سعداء، الجميع فرح باستقبال مهند من جديد، "مهند الشهيد كان له مرتبة وجاء شقيقه الرضيع لإحياء اسمه (...) شعور لا يوصف وسعادة كبيرة، كنت أريد ولادته في الثالث من أكتوبر تاريخ استشهاد مهند، لكنني ولدته في 13 أكتوبر، اختلفت الأيام، لكن جمع ذكراهما الشهر ذاته" كانت الفرحة بادية على صوتها.

ما أكثر التشابه هنا!، ففي 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2016م كانت الحلبي أسيرة لدى الاحتلال (اعتقلت ثلاثة أيام)، لكنها هذا العام تضع مولودها.

فرحة وبهجة

"هي رسالة للاحتلال ولشعبنا الفلسطيني،أن اسم الشهداء دائما موجود وأن الشهيد لدينا ليس اسما فقط".. وهذه المرة الحديث لوالد الشهيد الذي كان يرقب زوجته لدى انشغالها بمولودهما.

امتزج صوته بتلك الأيام المحملة بالألم خلال السنوات الأربع: "طوال تلك المدة حتى الآن نعيش في ظروف قاسية، من هدم الاحتلال بيتنا واعتقالنا، ومنعنا من السفر إلى الحج ثلاث مرات، حتى إن البيت الذي نجلس فيه لم يكتمل بناؤه، نسكن في غرفتين صغيرتين بوضع معيشي صعب، زاد صعوبته منغصات الاحتلال واقتحاماته العديدة لمسكننا، وإصابتي بمرض السرطان قبل ستة أشهر".

تتزاحم الكلمات في خاطره في التعبير عن سعادته باستقبال الوافد الجديد: "رزقنا الله مهند الجديد، ليدخل البهجة علينا رغم تلك الآلام التي عشناها، هذا شعور لا يوصف ممزوج بالفرحة، ينسيك الألم والمنغصات، فكانت زوجتي في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة أعوام أسيرة لدى الاحتلال".

وما زالت الفرحة حاضرة في حديث الوالد: "نحن شعب يحب الحياة، وحينما يستشهد أبناؤنا دفاعًا عن أرضهم فإن ذلك لكون هذه أرض مغتصبة تحتاج إلى تضحية".

وبين الحزن على الشهيد وفرحة استقبال المولد، يقول: "حينما استشهد مهند ظل محتجزًا لدى الاحتلال، لكن عندما تسلمنا جثمانه رغم الألم فرحنا بأننا استطعنا تحريره من الثلاجات".

ويشار إلى أن الحلبي استشهد برصاص الاحتلال في الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) 2015م، بذريعة تنفيذه عملية فدائية أدت إلى مقتل مستوطنيْن اثنين.