القلق الإسرائيلي من الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة

د. عدنان أبو عامر
الاثنين ٢٣ ٠٩ / ٢٠١٩
د .عدنان أبو عامر

تقدير موقف

تلقي الأحداث الأمنية المتصاعدة في الخليج العربي بتأثيراتها السلبية على التقييم الإسرائيلي لموازين القوى المتغيرة في المنطقة، لاسيما بالتزامن مع ما يمكن وصفه الخروج التدريجي للولايات المتحدة من الشرق الأوسط، الأمر الذي يتطلب من إسرائيل تكثيف تعاونها الإقليمي مع من تعرفها بأنها "الدول الصديقة" لمواجهة جملة تحديات أساسية، على رأسها إيران، بما في ذلك بذل مزيد من الجهود الدبلوماسية لزيادة شراكاتها الإقليمية.

يرى الإسرائيليون في الانسحاب الأمريكي الماثل من المنطقة دافعا لهم لمزيد من العمل والجهد لزيادة تدخلهم في تطورات المنطقة الإقليمية السياسية والعسكرية والدبلوماسية، رغم أن ذلك يحمل في ثناياه مخاطر أمنية يمكن أن تتحملها إسرائيل على عاتقها لزيادة شراكاتها الاستراتيجية في المنطقة.

ولا يخفي الإسرائيليون أنهم تمتعوا في سنوات وعقود سابقة بمظلة الحماية الأمريكية في المنطقة، خاصة منذ العام 1991 حين أرسلت الولايات المتحدة خمسمائة ألف جندي إلى الشرق الأوسط خلال حرب الخليج الأولى لإخراج القوات العراقية من الكويت، وفي عام 2003 اكتفت بوجود 285 ألف جندي للإطاحة بنظام صدام حسين من العراق، واليوم في كل الشرق الأوسط يوجد 35 ألف جندي أمريكي فقط، مما يجعل إسرائيل تجد نفسها في وسط هذا الفراغ.

كل ذلك يجعل القراءة الإسرائيلية تفترض عدم تغيب الولايات المتحدة كلياً عن الشرق الأوسط، صحيح أن جنودها عادوا إلى بيوتهم، لكن واشنطن تستعين بقوات خاصة، واستخبارات دقيقة، والحرب الجوية من خلال الطائرات المسيرة غير المأهولة، وحرب السايبر، بجانب تقديم الدعم العسكري والتسليحي والدبلوماسي لدول المنطقة.

وبالتالي فإن إسرائيل تبدو مطالبة باستخلاص الدروس والعبر من الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، سواء في الدور المناط بها في فرض استقرار المنطقة، أو صادرات سلاحها المطلوب، لكن دورها الجديد المطلوب لحفظ تواجدها في المنطقة لمواجهة التحدي الإيراني يتطلب منها بذل المزيد من الجهود، والعمل في المسار الدبلوماسي للتعاون الإقليمي.

في هذه الحالة، لا يتورع الإسرائيليون عن المطالبة بإقامة شراكات إقليمية، واستثمار مقدرات مطلوبة للتعاون الإقليمي، مما يستدعي منها المسارعة في إنجاز الملف الفلسطيني للحفاظ على استقرار تلك الدول داخلياً، ومثل هذه الصفقة والتسوية ليست كفيلة بمواجهة التحدي الإيراني فقط، بل تساعد في إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط الجديد من خلال البحث عن صيغة تحالفية إقليمية، وفق القراءة الإسرائيلية البحتة.

لم يعد سراً أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تبذل جهودا حثيثة في محاولة منها لسد الفراغ الناجم عن خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، وفي حال تم خروجها فعليا من المنطقة بصورة نهائية، فإن إسرائيل مدعوة للدخول لملء هذا الفراغ، مع وجود جهود كبيرة تتطلب زيادة التعاون الإقليمي من المعدات الأمنية والعسكرية.