​أعاني من الملل.. لماذا وماذا أفعل؟

غزة/ ليلى أبو صقر:

الملل، والسآمة، والشعور بالضيق، والضجر.. أصبح لها وجود نسبي يقل أو يكثر في المجتمع، لدى الكبير، والصغير، والذكر، والأنثى، وكل واحد يعبر عنها بأسلوبه الفريد، وطريقته الخاصة.

"فلسطين" بحثت هذه الآفات مع عدد من المختصين لمعرفة جوانب الخلل وكيفية علاجه، فاستضافت أستاذ الصحة النفسية المساعد بقسم علم النفس في كلية التربية في الجامعة الاسلامية نبيل دخان، ومدير عام التدريب في مركز إشراق للتدريب والتطوير الإعلامية ريم زنداح، وأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية صبحي اليازجي.

دخان عرّف مفهوم الملل من الناحية النفسية على أنه "شعور ينتاب الفرد أن ما حوله من مثيرات، لا تستحوذ على اهتمامه، أي أنه لم يعد يكترث بما حوله وبالتالي فقد الاستمتاع بالحياة وبجوانبها".

وفي التنمية البشرية، بينت زنداح أن الملل هو "أن يفقد الشخص القدرة على الاستمتاع بكل ما حوله من معطيات موجودة، والشعور بحياة خالية من البهجة، مما يزيد من حالة الملل والاكتئاب، وهي ليست محددة بعمر معين وليست حالة مرضية، ولكنها تعبير عن وضع نفسي قلق، هذا الشعور يتضخم كلما شعر الانسان بأن الحياة لا قيمة لها، وينتابه عندما تكون النشاطات من حوله غير مهمة".

دخان أكد وجود أسباب عديدة للملل منها: شعور الفرد بفقدان الهدف، والشعور بالرتابة من ضغوط العمل، والشعور بالعجز وقلة الحيلة، مشيرًا إلى أن العجز شيء مكتسب يأتي من ضعف ثقة الفرد بقدراته.

وعدّ أن بعض أنماط تربية الآباء للأبناء في عدم خلطهم الأبناء بالمجتمع خوفًا عليهم (الخوف الزائد) ومحاصرة الأبناء (الخوف المرضي) من أسباب الملل، لافتًا إلى أن الفراغ القاتل، وعدم التفكير وعدم التأمل في الكون وهذه الحياة، من أهم أسباب الملل الذي يجعل الإنسان يعيش في حالة كآبة.

وقالت زنداح: "إن الشعور بالملل يرجع لعدة أسباب أهمها، الفشل في تحقيق بعض ما كنا نتمناه ولم يتحقق، وعدم وضوح الهدف من الحياة، وتكرار الروتين اليومي والأعمال اليومية باستمرار، ومعيشة الإنسان مع بعض الأشخاص المحبطين والمثبطين والسلبيين، والبعد عن الحياة الاجتماعية ولا سيما بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي وانفتاح العالم، وأخيرًا عدم الشعور بأهمية الوقت".

مظاهر الملل

بدوره, أوضح اليازجي أن مظاهر الملل كثيرة، وأكثرها خطورة سماع الأغاني والموسيقى، وممارسة عادة التدخين، ومشاهدة القنوات الفضائية والإدمان عليها، والهروب يوميًا إلى الاستراحات مع الزملاء والأصدقاء، وكثرة النوم وحب الراحة والكسل، والثرثرة بالهاتف لغير فائدة أو الإساءة للآخرين.

ولفت إلى أن إهمال الطالب مذاكرة دروسه وضعف الاستعداد للاختبارات، والعزوف عن القراءة الجادة إلى قراءة الجرائد والمجلات الهابطة من المظاهر الخطيرة للملل.

وأضاف: "إن الإسراف في ممارسة الرياضة، وكثرة الأسفار والرحلات للترفيه البريء وغير البريء، والانصراف عن العمل الجاد والمثمر بأي أسلوب وطريقة، إلى غير ذلك" من العلامات التي تدل على وجود الملل.

وفي سياق الحديث عن الأعراض والآثار التي يسببها الملل، لفت دخان إلى أن الغضب والقلق واللامبالاة هي أعراض ومؤشرات لحدوث الملل وعلامة لحدوث اكتئاب لدى الفرد.

وعدّ اليازجي أن هذه الآفة أمر لا يستهان به، لما لها من آثار سلبية في عدد من جوانب الحياة، منها: ضياع كثير من الخير والطاعة، وحدوث الفشل أو بعضه في تحقيق الآمال والطموحات، وخسارة العمر والمال, فالذي يعيش هذه الحالة تجد أن همه وتفكيره أن يرفه عن نفسه باستمرار، ويضيع وقته بأي عمل، والوقوع في المعاصي والذنوب، وقد يصل الإنسان وما يشعر به من ضيق وملل إلى أن يفكر في إزالة هذه الحالة والتخفيف من معاناته بأي طريقة وأسلوب.

ونبه إلى أن كل ذلك يحدث لأن الفرد لم يفكر جديًا بعلاج الملل من بدايته بالطرق الصحيحة، والأساليب السليمة، التي تتفق مع الدين والعقل، وإنما تساهل في صدها إلى أن أوصلته إلى هذه الآثار السيئة.

وسائل العلاج

أما في الحديث عن وسائل العلاج، فقالت زنداح: "ولربما يستصعب في البداية علاج الملل ولكن مع مرور الوقت يتعود ويتم علاجه بعدة أساليب، منها: الانشغال في الأعمال المحببة له سواء ذهنيًا أو عضليًا، وتنويع الاهتمامات لكسر الجمود والروتين، وأن يتوقف عن ترديد كلمة "ملل" أو "حاسس حالي ملان" حتى لا تتحول لسمة في شخصيته ونمط حياة، وأن يشعر بقيمة ما لديه من إيجابيات ويطورها".

وأضافت: "البقاء في جو اجتماعي مبهج، والابتعاد عن الشيء الذي مللت منه لفترة، والتجديد في التعبير عن ذاتك وتعاملك مع الآخرين، من أهم وسائل العلاج".

أما دخان فبين أن من وسائل العلاج الثقة بالنفس وتحديد الأهداف، واستشعار الفرد ما به من إمكانيات وما به من إيجابيات، كونها من أهم الطرق في كيفية التعامل مع الملل وخاصة الشباب في المجتمع الفلسطيني.

وأردف قائلا: "أن يضع الفرد لنفسه صندوق أفكار بمعنى بدائل أعمال، والاستفادة من التجارب الفاشلة واستثمارها فيما هو جديد".

وركز اليازجي في حديثه عن وسائل علاج على أن العلاج موجود ومتيسر لمن يريده، مثل تحديد الهدف، والقيام بالواجبات على الوجه المطلوب، والمنافسة في الطاعات والقربات، ومن أهم الطاعات المحافظة على السنن الرواتب، وصلاة الضحى، وصيام الأيام الفاضلة كست من شوال، وعاشوراء، وعرفة، ويومي الاثنين والخميس، والصدقة بين وقت وآخر ولو بالقليل.

وتابع اليازجي أن الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، والتحصن بالأذكار والأدعية، وملء الوقت بما يفيد من الأعمال، والعيش في بيئة صالحة، والصبر والشجاعة في مواجهة الأقدار من أهم وسائل العلاج.