تجرَّدوا من إنسانيتهم وأظهروا الشماتة

لا تزال عبارة "الوطن مش مزرعة لك لتتحكم به وفق مزاجك" ترن في أُذني أبو مازن منذ صدحت بها الرفيقة خالدة جرار في الاجتماع الختامي للمجلس المركزي قبل سبعة أعوام، ذاك كان جزءًا من نقاشٍ حاد بين الاثنين بسبب قرار السلطة آنذاك العودة إلى المفاوضات مع الاحتلال بنفس الشروط السابقة، وعدم وقف التنسيق الأمني الذي أقره المجلس ذاته في الجلسة التي سبقتها، ما أسفر عن انسحاب ممثلي الجبهة الشعبية من الاجتماع.

كان رد أبو مازن وقتها: "لن أوقف التنسيق الأمني جكر فيكِ، ولن أتردد في اعتقال كل من يطلق رصاصة على إسرائيل"، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم تشن السلطة وحركة فتح هجمات غير مسبوقة على كوادر وقيادات الجبهة الشعبية.

لم ترغب السلطة أن تضع نفسها موضع الإحراج أمام الرأي العام فأوكلت أمر "أم يافا" للاحتلال الإسرائيلي الذي اعتقلها بعد ذلك الاجتماع 3 مرات كلها إدارية وما زالت في السجن، وكانت التهمة ملفًّا سريًّا، ما يعطي إشارة إلى أن السلطة وأبو مازن -بالتحديد- له يد طولى في الموضوع.

هذا لم يكن نهاية السجال بين الجبهة الشعبية والسلطة فقد وصلت الهجمات -كما تقول المصادر- إلى مستويات خطِرة وصلت إلى حدّ التنسيق الأمني مع الاحتلال وتبادل للمعلومات حول جميع القضايا التي تخصّ الجبهة سواء على مستوى بنيتها وهيكليتها التنظيمية، أو قيادتها الرديفة التي تقود التنظيم في الضفة، مستغلة عملية بوبين التي آلمت الاحتلال في عام 2019، لتدفع جرار ثمن معارضة أبو مازن مرة أخرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.

كل هذه الانتهاكات لم تكن بمعزل عن الجرائم التي ترتكبها أجهزة الأمن المسلطة على رقاب الفلسطينيين في الضفة المحتلة، خاصة من ينتقدون سياسة السلطة، وليس قتل نزار بنات واعتقال علاء الريماوي وغيره من النخب عنكم ببعيد، إلا أن الناظر إلى الحدث الأخير بوفاة ابنة خالدة جرار يجد أن السلطة وقيادتها قد تجردوا من إنسانيتهم ووقفوا كالمتشمتين بها، ولم يحركوا ساكنًا تجاه قضيتها.

صحيح أنها ليست الأولى التي تفقد أحدًا وهي داخل السجن، لكن قادة السلطة لم يجرؤوا على استخدام التنسيق الأمني الذي طالما تغنوا بأنه لمساعدة المواطنين للضغط على الاحتلال لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على ابنتها والمشاركة في تشييعها، ولا حتى لغيرها من الأسرى الذي مروا بمثل هذا المصاب الجلل، الأمر الذي يؤكد عنصرية الاحتلال وتجرده من المعايير الإنسانية في التعامل مع الأسرى، ويثبت أن السلطة وأجهزتها الأمنية لا يهمها أسرى ولا قضايا إنسانية ولا ما يحزنون.

لكن أعود وأذكر أنه كيف لمن تسبب باعتقالها وتعاون مع الاحتلال ليبعدها عن المشهد السياسي أن يخطو باتجاه إخراجها من السجن لتعود لتقض مضجعه من جديد، ولكن هيهات فقد جاء بعدها كُثر يقولون لأبو مازن ليس فقط لا، بل يقولون: ارحل!