العلاقات السعودية الإماراتية إلى أين؟

في خضم تقلّبات العلاقات العربية-العربية، برز إلى العلن توتّر سعودي إماراتي، يكشف احتمال نهاية "شهر العسل" في علاقات البلدين التي استندت إلى تفاهم بين ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، مع ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، لتعظيم مكاسب الطرفين ونفوذهما، خصوصاً في اليمن، والمنطقة إجمالاً. ولم يكن "النجاح النسبيّ" للتعاون السعودي الإماراتي ليتحقق لولا توفّر الغطاء/ العمق الأميركي له؛ إذ شكّلت زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى السعودية، وانعقاد القمّة الأمريكية الإسلامية في الرياض (21 مايو/ أيار 2017)، إيذاناً بإنشاء "تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي" (Middle East Strategic Alliance)، الذي كان يسعى، علناً، إلى عزل إيران، مع دمغها ومليشياتها بـ"الإرهاب"، لكن جوهره يقوم على سياسةٍ أمريكية غرضها القضاء على ما تبقى من تأثير الثورات العربية، بما يمكّن ثنائي (إسرائيل)/ الديكتاتوريات العربية، وبما يدعم سياسات الثورات المضادّة، في استهداف قوى التغيير العربي، وحصار قطر، بالإضافة إلى عزل تركيا وإيران، وفرض واشنطن مزيداً من العقوبات عليهما.

ولئن كان التوتر الراهن بين السعودية والإمارات أخذ طابعاً نفطياً/ اقتصادياً (ظهر في اجتماع تحالف أوبك +، في 1 يوليو/ تموز الجاري)، فإنه يستند، إلى أبعادٍ سياسيةٍ أعمق، تخصّ المستوى الثنائي في العلاقات، كما يعكس متغيرات السياقين، الدولي والإقليمي. وفي هذا الإطار، ثمة ثلاث ملاحظات على العلاقات السعودية الإماراتية، والعلاقات العربية العربية، ضمن عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، في هذه "المرحلة الانتقالية" التي ستؤدّي، في المحصلة النهائية، إلى تغييرات حقيقية، في مكانة الدول الخليجية والعربية والإقليمية.

أولاها أن الرياض تقوم بمراجعة سياساتها وتحالفاتها الخليجية والإقليمية، منذ قمة العُلا الخليجية، 5 يناير/ كانون الثاني الماضي، مع استعدادها لاتخاذ خطواتٍ عملية تخالف توقعات أبو ظبي، وذلك عبر انخراط سعودي/ مصري/ قطري/ عُماني/ كويتي، في حلحلة أزمات المنطقة، بالتعاون مع سياسات الرئيس الأميركي، جو بايدن، لا سيما تركيزه على الأداة الدبلوماسية إجمالاً، في تعامله مع الملفين اليمني والنووي الإيراني، على الرغم من "استعصاء" الاختراقات فيهما.

ويبدو أن الرياض تخطو الآن بانفتاح أكبر على محيطها الخليجي (بدليل زيارات كبار المسؤولين القطريين والكويتيين والعُمانيين إلى السعودية)، مع "ابتعاد نسبي" عن سياسات الإمارات في خلق/ توظيف أزمات اليمن وليبيا والصومال ومصر... إلخ. وعلى الصعيد الداخلي، لا تخفى رغبة الرياض وطموحها في تدعيم قدراتها التنافسية الاقتصادية والسياحية والترفيهية، عبر جذب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع السياحة السعودية الداخلية، في إطار "رؤية 2030"، بهدف تقليص الاعتماد على النفط، وتنويع الاقتصاد، بحيث تصبح البلاد مركزاً تجارياً رئيسياً في المنطقة، ما سيلحق الضرر بالإمارات وبمركزها التجاري في دبي. ولعل هذا ما يفسّر قرارات السعودية أخيرا، وضع قيود على سفر مواطنيها إلى الإمارات، ووضعها في مرتبة واحدة مع دول تعاني تفشّي وباء كورونا، مثل إثيوبيا وفيتنام وأفغانستان، وتعديل قواعد الاستيراد من دول مجلس التعاون الخليجي، ما يؤثّر على صادرات دبي، والمناطق الحرّة في الإمارات، ومنها جبل علي والمنطقة الحرّة في مطار دبي، ويحرمها الاستفادة من الاتفاق الجمركي الخليجي والمزايا التفضيلية والإعفاء من الرسوم.

تتعلق الملاحظة الثانية باحتمال تراجع تأثير الإمارات في قرارات الإدارة الأمريكية، واحتمال تآكل شبكة لوبياتها التي كان يديرها السفير في واشنطن، يوسف العتيبة؛ فدور أبوظبي كان يرتكز على توظيف المال السياسي في الأزمات الإقليمية، عبر دعم وكلاء محليين، لصناعة فوضى محلية/ إقليمية، تسهم في تغييب المنافسين الإقليميين للإمارات، سواء في النفوذ أو المواني أو إنتاج النفط، فضلاً عن "امتطاء الدور السعودي" في اليمن، أكثر من استناد أبوظبي إلى ركائز حقيقية لصناعة النفوذ والتأثير، لا سيما مع تراكم الأخطاء الاستراتيجية، والتوجّه نحو "التطبيع الكامل" مع إسرائيل، وافتتاح سفارة لها في أبوظبي وقنصلية في دبي.

والواقع، أنه ليس في وسع الإمارات، عبر تحالفها مع (إسرائيل)، أن تتجاوز المحدّدات الجيوبوليتيكة الهيكلية، بوصفها دولة صغيرة (Small State)، بمفاهيم علم العلاقات الدولية؛ إذ تتصرّف أبوظبي بطموح إقليمي، مبالغ فيه، ما يستفز لاعبين أكبر، مثل إيران وتركيا ومصر والسعودية، وجميعها تبدو معترضة، بدرجاتٍ مختلفة، على استمرار قيادة (إسرائيل)، النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من تجميد إدارة بايدن "صندوق إبراهام"، الذي أنشئ بعد التطبيع بين (إسرائيل) من جهة والإمارات والبحرين من جهة أخرى في سبتمبر/ أيلول الماضي، فمن المحتمل أن تبقى أبوظبي على "الصندوق الإماراتي للاستثمار في (إسرائيل)"، الذي أُنشئ بقيمة عشرة مليارات دولار، في مارس/ آذار الماضي، ما يعني أنها قد تخسر أموالها، من دون أن تستفيد أمنياً من التحالف مع (إسرائيل)، ما يؤكّد أن قرارات التطبيع العربية ليست مفيدة للشعوب، بقدر ما تكشف تآكل الشرعية الداخلية في النظم العربية، فكلما ضعفت هذه داخلياً، لجأت إلى التحالف مع (إسرائيل).

تتعلق الملاحظة الثالثة بمسار العلاقات الخليجية الخليجية، والعربية العربية، الذي يُرجّح أن يبقى متقلباً/ متذبذباً، بين الصراع والتعاون، بتأثير غياب المؤسسية، وهيمنة المزاجية/ الشخصنة، على صناعة القرار، ما يجعل هذه العلاقات عرضةً لأزمات ومشكلات متكرّرة، يمكن أن يتم تهدئتها آنياً، لكن من دون حلّها/ تسويتها من جذورها، على نحوٍ يؤدّي إلى انفجارها لاحقاً.

والمؤكّد أنه بعد أزمة حصار قطر لم تعد الأزمات الخليجية تُدار، من خلف الكواليس، كما كانت سابقاً، على الرغم من التجانس الواضح بين دول الخليج؛ إذ بدأ استخدام أساليب التحريض والكذب والتضليل وزرع عقد الكراهية في النفوس، من دون التورّع عن استخدام الحصار السياسي والاقتصادي والتجويع، وحملات "تشويه الصورة"، وصولاً إلى الدمغ بتهمة "دعم الإرهاب"، ما يعني تغير أدوات إدارة الصراعات العربية البينية، لتصبح إكراهية وليست تعاونية، كما باتت تمسّ المجتمعات والمواطنين، الخليجيين والعرب، بشكل مباشر.

يبقى القول إن ابتعاد الرياض عن أبو ظبي يمكن أن يكون "مدخلاً" لتصحيح السياسات السعودية الإقليمية، واستعادة أنماطها الفاعلة نسبياً، كما كانت في عهدي الملك فيصل (1964- 1975)، وفهد (1982- 2005)، ودعم أدوات تهدئة الصراعات العربية العربية، عبر الوساطة وتقديم المساعدات المالية والإغاثة الإنسانية، مع ضرورة تراجع الرياض عن سياسات دعم الثورات المضادّة في العالم العربي التي تبنّاها المثلث السعودي المصري الإماراتي، بغية إجهاض مسار التغيير الذي بدأته الثورات العربية عام 2011، ما أدّى إلى إهدار فرصةٍ حقيقيةٍ لإنجاز أهداف التنمية والحرية والعدالة الاجتماعية، ما زاد العالم العربي "ضعفاً على ضعفه"، وأسفر، في النهاية، عن تفاقم عوامل الاختراق الخارجي للجسد العربي الواهن، إلى حد تحكّم العامل الخارجي في المسارات العربية، عبر سياسات المحور الأميركي الإسرائيلي، في مقابل سياسات الثلاثي الروسي الإيراني التركي.

وعلى الرغم من كآبة المشهد العربي الراهن، فإن ثمّة فرصة أمام العرب، في حال مراجعة الدول الكبيرة (مصر والسعودية والجزائر والمغرب)، سياساتها الداخلية والخارجية، وعلاقاتها العربية البينية، وتحسين علاقاتها الإقليمية مع تركيا وإيران وباكستان، لإيجاد حلول عربية/ إقليمية للأزمات المستفحلة في المنطقة، سيما بعد ظهور محدودية نجاح إدارة بايدن في هذا الصدد، و"انكفائها النسبي" عن الشرق الأوسط، رغبةً في التصدّي لتداعيات جائحة كورونا، فضلاً عن انشغالها بالصعودين، الصيني والروسي.