في أي سياق تأتي دعوة الرئيس عباس للحوار؟

انعقد المجلس الثوري لحركة فتح مساء يوم الاثنين الماضي، وقد استهل أبو مازن جلسة المجلس الثوري للحركة بكلمة دعا فيها القوى الفلسطينية وعلى وجه الخصوص فتح وحماس للحوار على مدار الساعة!

تأتي دعوة أبو مازن هذه بعد أن أفشل حوار القاهرة الذي أعدت له القاهرة عقب انتهاء حرب سيف القدس، والذي كان يفترض به أن يتوج انتصار المقاومة بإنهاء الانقسام المستمر منذ 15 عامًا.

ربما لم يدرك أبو مازن أن الشعب الفلسطيني يمتلك ذاكرة وطنية ربما هي الأقوى من بين شعوب المنطقة، أو ربما يدرك وأظنه كذلك، لكنه يعمل "بعقلية التغافل الوطني" التي يمارسها الرجل منذ توليه منصبه في عام 2005 عقب رحيل الرئيس عرفات، واستمر في تشبثه بهذا المنصب رغم انتهاء مدته الدستورية في عام 2009م، جاءت دعوة أبي مازن للحوار وما زلنا قريبي عهد بدعوته للانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي كان مقررًا لها أن تنتهي وتعلن نتائجها في أواخر مايو الماضي، حينما وضع أبو مازن عقبة القدس في الانتخابات كمبرر لاتخاذ قرار لا يملكه دستوريًّا أو قانونيًّا بإلغاء الانتخابات في شكل تأجيل بلا سقف.

كذلك تغافل أبو مازن عن الوثيقة التي وقع عليها أكثر من ألفي شخصية فلسطينية تطالبه بالاستقالة من منصبه، بعد أن أيقنت هذه الشخصيات أن استمراره في التشبث بمنصبه خلافًا للدستور أصبح عقبة في طريق وحدة الشعب الفلسطيني، ولم يذكر أبو مازن طبعًا في حديثه أمام ثوري فتح أنه تنكر لمخرجات لقاء الأمناء العامين للفصائل المنعقد في بيروت ورام الله وأوعز لوزيره الأثير حسين الشيخ بإعادة العلاقة مع الاحتلال وفي الصميم منها التنسيق الأمني المرفوض وطنيًّا المجرم قانونيًّا.

وربما لا يتسع المقام لتعداد تجاوزات أبو مازن الوطنية التي استطالت بطول فترة رئاسته بالإكراه للشعب الفلسطيني، وللأسف فشلت كل محاولات إقصائه سواء بالقانون أو التوافق عن المشهد الفلسطيني، الذي مر بأبأس حالاته في أثناء مدة رئاسته التي ساقتها الأقدار للشعب الفلسطيني برحيل ياسر عرفات.

في عهد أبو مازن حدث الانقسام الفلسطيني، وحدث الانقسام الفتحاوي، وقضم الاستيطان معظم أراضي الضفة الغربية، وفرض الحصار على غزة بتحريض من أبي مازن "وهو لا ينكر ذلك"، وساءت علاقة فلسطين بمعظم الدول العربية، وفقدنا تأييد عدد كبير من الدول التي كانت دائمة التأييد للقضية الفلسطينية، ورغم ذلك ما زال أبو مازن يحيي (سنة التغافل) التي تحولت من تغافل إلى بلادة لا تؤثر فيها كبريات الأحداث الوطنية، فأي زعيم هذا الذي تعيش بلاده أربع حروب في أقل من عشر سنوات ولم يخطر بباله أن يزور المنطقة التي دارت رحى الحرب بين شوارعها وأزقتها، بل لم تثنِه مشاهد الدمار وأشلاء الشهداء وأنات الجرحى وعن وقف إجراءاته القمعية وعقوباته الجماعية (التي تعد بموجب القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية) بحق أبناء شعبه في غزة المحاصرة بتحريض منه، وبعد كل ذلك يدعو أبو مازن للحوار الوطني.

 فأي حوار وطني ذلك الذي تدعو إليه يا أبا مازن؟ وفي أي سياق ممكن أن يفهم الفلسطينيون دعوتك تلك؟

ربما كان يجدر بك يا أبا مازن أن تلبى دعوة الشخصيات الفلسطينية التي طالبتك بالاستقالة، وهي وجه المجتمع وقادة الرأي فيه، فذلك أنفع لك وأجدى للشعب الفلسطيني من دعوتك، ودعني أذكرك يا أبا مازن بحديث لك لو بحث عنه القارئ سيجده بالتأكيد على منصة يوتيوب، ذلك الحديث الذي تقول فيه: لو خرج عشرة من أبناء الشعب الفلسطيني ليطابوني بالرحيل سأقدم استقالتي فورًا.

طبعًا هذا الحديث "المسجل" لك أصبح في جملة الأحداث والمواقف التي تتناساها ولم تعُد تلقي لها بالًا.

لكن دعنا نلفت نظرك يا أبا مازن أن رئيس وزراء الاحتلال لُفِظَ من قبل شعبه لكونه استمر خمسة عشر عامًا في الحكم، رغم كل ما قدمه لهم من "إنجازات وطنية" ولا بأس أن يتعلم الإنسان من عدوه، فدعك من الدعوات الفارغة الجوفاء التي ملها شعبنا، وأصبحت لا تساوي قلامة ظفر طفل فلسطيني، والأفضل لك أن تجمع حقيبتك وتمضي، فلقد ضاق بك المكان، وتجاوزك الزمان، وأزفت ساعة رحيلك.

 فلا تصعِّب الأمر على نفسك وشعبك، وإذا قيل قديمًا "إن في الموت راحة"، فلا شك عندي أنه سيكون أيضًا في الرحيل راحة، ولكن الفرق بينهما، أن الأول لا حيلة للمرء فيه، أما الثاني فهو خيار. فهلا كان خيارك هو الراحة للشعب الفلسطيني؟