المنظمة والإعمار وخفايا المؤامرة

ما يزيد على 16 عاما يمر وقطاع غزة يخضع لحصار مطبق، ويتعرض لشتى أشكال العدوان، الذي تشابكت فيه (خيوط المؤامرة) بين عدة أطراف هدفت إلى: القضاء على حكم حركة حماس، وإنهاء المقاومة في القطاع، وإعادة مسار التسوية إلى سكته الصحيحة، والدفع بكل مشاريع السلام والتطبيع مع الاحتلال، وإعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع رغم أنف شعبنا ومقاومته وحكومته المنتخبة.

هذه الأطراف ظهرت جليا من خلال عدة أوجه، فقد اجتمعت المصالح الإسرائيلية، والأمريكية، وبعض الأنظمة في المنطقة، إضافة إلى السلطة الفلسطينية خلف الأهداف السابقة، التي تمثل مصلحة مشتركة، هذا يعني أن كل هؤلاء معنيون بإنهاء المقاومة في قطاع غزة، لأنها تشكل خطرا حقيقيا على المشاريع الأخرى.

الأمر الذي تطلب اتخاذ إجراءات حقيقية من شأنها: تقويض سلطة الحكم في غزة، وإسقاط كل مقومات الصمود، والقضاء على المقاومة، وذلك خشية من تمدد هذه الحالة إلى الضفة الغربية وبقية الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى المخاوف من إمكان تمدد ما يجري في القطاع إلى خارج الجغرافيا الفلسطينية، بمعنى تأثر الشعوب والحركات السياسية بما يجري في غزة، وبالتالي حدوث تحول يؤدي لتغيير بعض الأنظمة.

وهذا بدوره يفرز جبهات وساحات مقاومة جديدة في وجه (إسرائيل)، الأمر الذي لا يقبله الأمريكيون، أو الإسرائيليون، أو حلفاؤهم من بقايا الأنظمة التبعية، وبالتالي وجدنا ما وجدنا من أوجه العدوان، الذي تورطت فيه "سلطة الأمر الواقع" لأنها مرتبطة بهذه الأطراف، عضويا، ووظيفيا، فكالت لشعبنا ومقاومته كل أشكال العداء، فكان نصيب القطاع وافرا من صنوف العذاب.

لكنها وعلى الرغم من ذلك أخذت تتباكى على شعبنا وأهلنا في قطاع غزة في كل مرة على الرغم من أن ممارساتها على الأرض لم تكن تعكس أدنى مستوى من الحرص، أو المسؤولية الوطنية، فهل يستقيم اتخاذ إجراءات انتقامية ضد قطاع غزة أدت لانهيار معظم المرافق وتدهور الحالة الإنسانية، مع تصريحات مسؤوليها بأنها تريد كسر الحصار عن غزة؟!

في الحقيقة يطول الحديث عن مظلومية شعبنا في مواجهة (المؤامرة الكونية) التي امتدت على مدار عقود وبلغت ذروتها في السنوات الأخيرة نتيجة تورط طرف فلسطيني أصبح يرى نفسه ممثلا وحيدا وشرعيا لشعبنا، دون أن يحظى يوما سواء بالشرعية أو القبول في الشارع الفلسطيني.

الأمر الذي يجعل هذه القيادة تخشى أي انتخابات لأن نتائجها ستكون كارثية بحقها، فشعبنا لن يتردد في معاقبة هؤلاء من خلال الصندوق، واختيار من يمثله ويدافع عنه ويحمي حقوقه ويسقط هذه المؤامرة، لذلك عطلت الانتخابات الأخيرة، ورفضت كل الخيارات الأخرى التي عرضت، فلا يمكن أن تقبل السلطة بحال السماح بدخول قوى شعبنا الحية، سواء حماس والجهاد وغيرهما من الفصائل في المؤسسات التمثيلية للشعب الفلسطيني.

وذلك لاعتبارات مختلفة: أولا خشية قيادة السلطة وحركة فتح من سيطرة حماس والجهاد على منظمة التحرير، ثانيا الخوف من إجراء تغيير في البرامج السياسية والتحكم بمسار المشروع الوطني، ثالثا حتى لا تكون هذه القيادة ملزمة بخيار المقاومة المسلحة الذي يمكن أن يطغى على برنامج المنظمة في حال انضمام حماس والجهاد.

هذا الموقف لقيادة السلطة وفتح غير منفصل عن مواقف عربية وإسرائيلية وأمريكية لا تريد أي تغيير في شكل المؤسسات التمثيلية للشعب الفلسطيني ولا في برامجها، وهناك مصلحة في بقائها (هياكل ميتة) لأن إمكان تفعيلها وتعزيزها بحد ذاته يؤثر في مصالح كل هؤلاء الأطراف، لذلك لا أعتقد أن أي طرف عربي يمكن أن يضغط لإجراء هذا التغيير أو حتى العرض على قيادة السلطة وفتح.

وربما هذه النقطة كانت أحد أبرز أوجه الخلاف بين فتح وحماس في الحوار الأخير الذي انهار في لحظاته الأولى، لأن قيادة السلطة وفتح لا تتفهم على الإطلاق إجراء تغيير في منظمة التحرير والمجلس الوطني، ولم تغير قناعاتها السابقة، ولم تبدِ استعدادا لأي شراكة على هذا الأساس، وتريد طرح بدائل أقل من ذلك جربت وفشلت تماما متعلقة بالتغيير في المستوى الحكومي دون أن يتخطى ذلك في هذه المرحلة.

وليت الأمر توقف عند ذلك، فالسلطة وقيادة فتح ما زالتا غاضبتين من مساعي إعادة الإعمار بعيدا عنهما، فهما تريدان سيطرة كاملة على أموال الإعمار، وذلك لرغبتهما في: أولا فرض سيطرتهما مجددا على قطاع غزة وتسييس ذلك في تمرير أهدافها الخاصة، ثانيا إعادة تعزيز خزينتهما بعد انخفاض الدعم الدولي ودخولهما في أزمة، ثالثا نقل بعض مشاريع لتنفيذها في الضفة الغربية وتقديمها كمنجزات لحكومة رام الله، رابعا إيهام جماهير شعبنا بأن المقاومة تدمر القطاع مع كل جولة والسلطة في رام الله هي من تعيد الإعمار وتنقذ شعبنا في كل مرة.

وختاما: فإنه يمكن القول إن السلطة حتى الآن لم تفلح في استمالة أموال ومشاريع الإعمار، وتفشل في خداع شعبنا مرة أخرى، وتظهر أمام الفصائل أنها معطلة لأي حراك وطني، وتفشل في إعادة مشروعها مجددًا، بعد ارتطامها مرارًا في جدار الفشل، وهي في حيرة من أمرها بعد أن أصبحت على مفترق طرق تاريخي يهدد وجودها، ولا أظن أن قيادتها عاقلة ويمكن أن تعدل المسار وتلتحم مع مشروع المقاومة لأنها لا تملك قرارها وأصبحت تقاد إلى حتفها.