لا تُلدغ المقاومة من جحر مرتَيْن

من يعتقد أننا نتجه لتكرار سيناريو 2014 فهو مخطئ، لا أظن أن المقاومة ستقع مرة أخرى في فخ المماطلة وإهدار ما أنجزته في انتصارها في معركة سيف القدس، وإن صبر شعبنا في غزة سبع سنوات قبل عدوان 2014 ومثلها بعده فإنه غير مستعد لتحمل المزيد من المعاناة والحصار والموت البطيء، وهذه حقيقة تدركها جميع الأطراف، وأولها العدو الإسرائيلي، وهؤلاء يدركون تماما أن المقاومة في قطاع غزة لم تعد كما كانت عليه مع بداية الحصار، ولا حتى عام 2014، فكل شيء أصبح مختلفا الآن، سواء قدرات المقاومة أو إصرار سكان قطاع غزة على التخلص من الحصار الغاشم والظالم، لذلك على الجميع أن يكف عن محاولة إجهاض الانتصار وإضاعة إنجازات المقاومة حتى لا تشتعل المنطقة من جديد فتزداد المقاومة تصلبا وعنادا وتزداد الخسائر المادية والسياسية والمعنوية لمن يحاصرون غزة أضعاف ما تكبدوه في "الجولة الأولى" من معركة سيف القدس.

يقول رئيس الكيان ريفلين مهددا حركة حماس: "لقد ولت الأيام التي تقرر فيها حماس متى تطلق الصواريخ ومتى تصمت"، أما رئيس وزراء العدو الجديد نفتالي بينيت فيقول: "سيتعين عليهم في قطاع غزة التعود على مبادرات عملياتية أخرى، لأن صبرنا نفد".

هذه التهديدات قد تعجل في "الجولة الثانية" من معركة سيف القدس، والجولة الثانية قادمة ما لم يقدم الاحتلال تنازلات مهمة لكبحها، والتنازلات التي يطالب بها شعبنا في هذه المرحلة ليست سوى جزء يسير من حقوقنا المشروعة، مثل: رفع الحصار عن قطاع غزة، وكف الاعتداءات عن شعبنا ومقدساتنا، وتركنا نعيش حياتنا مثل بقية البشر، أما بقية حقوقنا فسوف تأتي مستقبلا عندما تتغير موازين القوى، وهي تحرير فلسطين من البحر إلى النهر. وأما وجهة نظري الشخصية من التهديدات فهي ليست ذات قيمة، فقيادة العدو الجديدة لا تملك جيشا جديدا حتى تخوفنا به، بل هي في موقف صعب بعد التراجع النفسي والمعنوي الذي أصاب جيش الاحتلال والشعب الإسرائيلي من جراء الهزيمة الأخيرة، وصعب لأن نفتالي بينيت لا ينوي المغادرة مبكرا، ولذلك كان أول ما فعله هو الرضوخ لمطالب المقاومة وتغيير مسار مسيرة الأعلام في القدس تجنبا لاستفزاز المقاومة في غزة، أي أن الرجل ليس رجل حرب، ولكن هذا لا يعني أنه لن يفكر بالعدوان مطلقا، وإن فعلها سيجد ما هو أسوأ مما وجده نتنياهو.

ختاما أقول ردا على من يقولون إنه في عام 2014 أبلت المقاومة العسكرية بلاءً حسناً يفوق أداءها من حيث القوة والفاعلية في معركة سيف القدس، إن هذا الكلام لا صحة له على الإطلاق، فلو كانت شدة المعركة عام 2014 مثل أو أكثر من شدتها عام 2021 لما صمد العدو الإسرائيلي 51 يوما. ما فعلته المقاومة في معركة سيف القدس خلال فترتها القصيرة تجاوز ما فعلته طيلة حرب 2014، وإن كانت الأولى فيها بطولات واقتحامات خلف خطوط العدو فإن حسم المقاومة للمعركة مبكرا لم يتح فرصة لنشهد ما تخفيه، وأعتقد أنه لو استمرت فترة أطول أو أن العدو غامر باجتياح بري لرأينا العجب العجاب، ولذلك كانت نتائجها مبهرة وردت العدوان ووحدت شعبنا وهزت أركان كل المتآمرين على شعبنا وعلى قضيتنا.