دور النخب في إحداث الاستقرار والتسبب في الثورة

تلعب النخب الثقافية والاقتصادية والإدارية والسياسية أدوارًا مهمة في حياة الشعوب، وقد تكون سببًا في إحداث الاستقرار، وربما تُشكل عاملًا من عوامل اندلاع الثورات.

في هذا المقال سأعرض عددًا من التجارب التاريخية العربية والغربية، التي لعبت فيها النخب أدوارًا مؤثرة، أولى هذه التجارب تتمثل في موقف الحاكم وليام النورماندي، الذي احتل إنجلترا عام 1066م، فثارت عليه النُخب القديمة، وتمكن من قمعها، لكنه لم يكتفِ بهذا الأمر، بل اقتلعها من جذورها، خشية أن تُعيد الثورة، فصادر أراضيها، واعتقل زعماءها، وأنهى وجودها شريحة اقتصادية اجتماعية مهيمنة على أتباعها، وقرر أن ينشئ نُخبة جديدة من الأرستقراط، فوزّع الأراضي على مؤيديه، وجعل منهم شريحة اجتماعية اقتصادية جديدة مهيمنة، ويمكنه الاعتماد عليها في تمويل خزينة الدولة، إضافة إلى تزويد الجيش بالمقاتلين والمؤن وقت الحاجة، ووفرت له عملية التخلص من النُخب القديمة، وبناء نُخب جديدة حالة من الأمن والاستقرار.

يمكن القول إن خلاصة التجربة المذكورة آنفًا تتمثل في أن النُخب القديمة تُتعب الحاكم الجديد، لهذا هو إما أن يتفاهم معها إذا كان هذا ممكنًا، أو يتخلص منها إذا كان قادرًا على فعل ذلك، والذي حصل أنه تخلص منها، وأنشأ غيرها، وتحقق له الاستقرار سنين طويلة.

والتجربة الثانية تتمثل في تجربة الدولة العثمانية مع الإنكشارية، والإنكشارية هي فرقة عسكرية خاصة أنشأتها الدولة من أجل القيام بالمهمات الخاصة التي يعجز الجيش عن القيام بها، وبالفعل أبدعت، لكنها مع الوقت بدأت تتدخل في الحياة المدنية، وأصبحت بالتدريج فوق القانون، وانسدت كل سُبُل التفاهم بينها وبين الدولة، فقصف السلطان محمود الثاني سنة 1825 معسكرات الإنكشارية بالمدفعية، وصفّى هذا الجيش.

يُلاحظ من الحديث السابق أن النُخب التي شكلت رافعة للدولة تحولت إلى عبء عليها، وفقد قادة هذه النُخب القدرة على استخلاص العِبَر، ولم يتنازلوا عن الامتيازات التي احتكروها، فقررت الدولة التخلص منهم بشكل كامل، حتى تستطيع أن تواصل مسيرتها.

أما التجربة الثالثة فهي تجربة الثورة الفرنسية، ما الذي حصل حينها؟ كانت النُخبة الحاكمة قد حصلت على امتيازات كثيرة، امتيازات لا حقوق، فوقعت في البلاد أزمة مالية خانقة، لم تعُد الدولة الفرنسية قادرة على توفير المصروفات اللازمة لتسيير أمور الدولة، فتداعى الخُبراء، وقرروا أن الحل واحد من اثنين: إما تقليص مصروفات ونفقات الحاشية والنبلاء (نُخب ذلك الزمان)، وإما أن تُفرض ضريبة على العامة.

رفضت النُخبة تقليص امتيازاتها، ولم يستطع الملك لويس السادس عشر إجبارهم على هذا الأمر، فقرر الملك اللجوء إلى فرض ضريبة على عامة الناس، اعتقادًا أن هذا أسهل، ولم يتوقع أن الناس ستثور عليه، وينتهي هو ونُخبه إلى مصير مُرعب، إذ قُتِل الملك، وواجه الكثير من النبلاء الموت قتلًا إما على المقصلة أو رميًا بالرصاص.

لو أن تلك النُخبة امتلكت قدرًا من الحكمة، لتنازلت عن شيء من مكتسباتها، وحافظت على بقائها، لكنها لم تستطع أن تستخلص العِبَر في اللحظة المناسبة، فواجهت المآل الصعب.

والتجربة الرابعة تتمثل في تجربة حزب العمل الإسرائيلي، هذا الحزب الذي أسس الدولة، وبنى قوتها، وامتلكت كوادره أكبر الخبرات اللازمة والضرورية لقيادة الدولة واستمرار قوتها وازدهارها، لكنهم فوجئوا منذ عام 1977 إذ فشلوا في الانتخابات لمصلحة حزب ليكود، فوجئوا بتراجع كبير في شعبيتهم، ورغم كل ما يمتلكونه من علم ومعرفة وتجربة وخبرة لم يستطيعوا أن يستخلصوا العِبَر، بل قاموا بحرب تكسير عظام داخلية، وتراشقوا بالاتهامات، وغيروا قياداتهم مرات كثيرة، لكنهم لم يستطيعوا إيقاف مسيرة التراجع، وغادر الحزب أهم قياداته وكوادره، ولم يتمكنوا من الوقوف على سبب انفضاض الناس من حولهم حتى اللحظة.

والتجربة الخامسة تتمثل في تجربة الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا التي نادى الرهبان بإصلاحها في العصور الوسطى، لكن البابوات رفضوا، واستمروا في ممارسة ما يؤذي الناس، ويمس بسمعة الكنيسة، وعذبوا الكثير من معارضيهم، وقتلوا أعدادًا أُخرى من طريق محاكم التفتيش وغيرها، ولم تنتبه قيادة الكنيسة إلى أن موجات الاحتجاج آخذة في الاتساع والشدة، لكن تلك القيادة اعتقدت أنها عصية على الهزيمة، وأنها ما زالت قادرة على المناورة والبقاء، وفي النهاية تحالف ضدها أعداد كبيرة من الرهبان مع الأمراء والملوك، واستطاعوا حصرها داخل جدران الكنيسة، ومنعها من التدخل في الشأن العام.

بعد استعراض التجارب السابقة يتضح أن النُخب التي تسيطر على مجتمع ما يمكنها أن تبني قوته ورفعته، لكنها يمكن أن تتسبب له بحدوث نكسات وهزائم، ويمكن لهذه النُخب التي قد تكون مُلهِمَة لمجتمعها في لحظة من اللحظات أن تُشكِّل عبئًا عليه في لحظات أخرى، وتضطره إلى الثورة عليها واقتلاعها أو تحجيمها على الأقل، ويحدث هذا في الحالات التالية: أولًا عندما تعتقد هذه النُخب أن التاريخ انتهى، أي أن سيطرتها ستبقى دائمة، وأنه لن يأتي بعدها أحد، أي عندما ينتهي الخطر على الوجود، فيبدأ الصراع على المكاسب، ثانيًا: عندما تصل النُخَب إلى مرحلة من الأنانية، تجعلها تُصر على الاستئثار بمكتسباتها، ورفض التنازل عن أي مكتسبات لمصلحة تمويل مصروفات الدولة التي استفادوا منها كثيرًا في السابق، ثالثًا: عندما تفقد النُخب القدرة على استخلاص العبر في الوقت المناسب، وتضرب عرض الحائط بالنصائح التي يُقدمها لها الأصدقاء، رابعًا: عندما لا تنتبه النُخب إلى تغييرات في المحيط ليست لمصلحتها، بل ربما تدفع باتجاه شطبها، خامسًا: عندما تعيش النُخب على رصيد سابق، في حين يُشاهد الناس تآكل كفاءتها وعجزها عن تحقيق الإنجاز وحل المشكلات.