أدوار الجامعات وأزماتها ومسؤولية القيادات

اتسع دور الجامعات وتقلص في تجارب المجتمعات البشرية عبر التاريخ، إذ شكلت الجامعة في بعض المراحل والأزمنة حاضنة للتفكير والتنوير والتطوير والاختراع، وفي تجارب أخرى شكلت الجامعات منبعًا للفعل الثوري وواجهة للكفاح ضد الاستعمار، ورائدة للإصلاح والتغيير على المستوى الداخلي، وأصبحت في تجارب أخرى مُلحقًا بوزارة التعليم العالي التي ترى في الجامعات عبئًا عليها، وتحاول أن تتحكم فيها وتُحجمها بحيث لا يعدو دورها عن دفيئة لتفريغ الموظفين الذين تحتاجهم مؤسسات الدولة، بغض النظر عن الكفاءة والاحتراف.

ولا تقتصر أزمة الجامعات في زماننا على الجامعات العربية أو الفلسطينية، ولكنها تتجاوز ذلك، إذ إن مساهمة الجامعات في الدول الغربية في التطوير والاختراع وتوليد الأفكار تراجعت، وأصبحت الشركات أكثر قدرة على اكتشاف واختراع الجديد في تخصصات العلوم التطبيقية، كما أن مراكز الأبحاث سبقت الجامعات في العالم الغربي على صعيد توليد الأفكار وتقديم المقترحات في مجالات اختصاصها.

رغم هذا التراجع، لكن بقي للجامعات في العالم دور مهم، كيف لا، وهي أكبر تجمعات تحتضن العقول والأشخاص المنشغلين بالتفكير، سواء كانوا طلابًا أو أساتذة، وكان للحكومات والشركات الكبرى دور كبير في تعزيز دور الجامعات، وفي هذا المجال تأسست شراكات بين الجامعات والشركات الكُبرى، كما تجددت برامج في الكثير من الجامعات لتخريج كفاءات نوعية في وظائف جديدة في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية والتطبيقية، هذا في الدول التي تتسم حكوماتها وشركاتها بالفاعلية والكفاءة، أما الدول ذات الاقتصاد الضعيف، والحكومات الخاملة، فإن الجامعات تتحول إلى فصول دراسية بعيدًا عن البحث العلمي، إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون هذا البلد محط استهداف من قِبَل جهات خارجية تهتم بترويج نمط معين من الأفكار أو الأعمال تخدم تلك الجهات، وهذا يعني أن الجامعات تتحول إلى أداة من أدوات الاختراق الاستراتيجي لصالح تلك الجهات الخارجية.

في بلادنا فلسطين، نشأت الجامعات في سياق التحدي والمجابهة التي كان شعبنا يخوضها مع الاحتلال، وكانت القوى السياسية الفلسطينية معنية بتوليد عناوين وواجهات للمقاومة، فكانت الجامعات بالإضافة إلى النقابات والبلديات والجمعيات الخيرية ومجالس الطلبة من أهم تلك العناوين.

وعندما أغلق الاحتلال الجامعات في الانتفاضة الأولى، ومنع الدراسة فيها، فقد تحول المجتمع كله إلى جامعة، وانتقلت قاعات الدراسة إلى بيوت المدرسين والمساجد والكنائس، إضافة إلى النوادي والجمعيات الخيرية، كما تم تقديم الخدمات الإدارية للطلاب من جانب الموظفين في بيوتهم، ويمكن القول إن الفعل الكفاحي الفلسطيني الرائد الذي بلغ ذروته في انتفاضة العام 1987، قد تولَّد في الجامعات من حيث التنظير الفكري الذي قام به عدد من أساتذة تلك الجامعات، إضافة إلى تطوير الاشتباكات الميدانية بالتدريج بين الطلاب وبين قوات الاحتلال، إلى أن وصل شعبنا إلى الانتفاضة.

ومع تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، أصبحت هنالك حاجة ماسة للكثير من الخريجين، إذ تولدت سنويًّا آلاف الوظائف في مجالات الإدارة والمحاسبة والتعليم والإعلام والخدمات الصحية المختلفة، الأمر الذي شكل مرحلة ازدهار وتوسع للجامعات في مجال التدريس وأعداد الطلاب والمدرسين، مع الوقت تراجعت القدرة الاستيعابية لمؤسسات السلطة والقطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية، وبقيت الجامعات تُخرِّج أعدادًا كبيرة من الطلاب، دون أن يجد أغلب هؤلاء الخريجين وظائف.

ومن هنا بدأت تظهر أزمات الجامعات الفلسطينية بشكل عام، لكن جامعات غزة شهدت مشاكل أكبر بسبب الحصار والعقوبات وعمليات الشيطنة التي تعرض لها قطاع غزة، فوجدت جميع الجامعات نفسها في أزمة طاحنة، وإن كان بتفاوت، وهذا التفاوت لا يرجع لكفاءة هذه الجامعة وفشل تلك، وإنما يرجع بشكل أساسي للظروف السياسية التي انعكست آثارها على الجامعات دون أن يكون لتلك الجامعات، أي دخل فيما حدث.

طبعًا الحكومة في الضفة هي فاعل أساسي في معاقبة كل غزة بلا استثناء، أما الإدارات الحكومية في غزة، وكل من له علاقة بقيادة غزة، فقد رفعوا أيديهم، وأعلنوا أنه لا دخل لهم بما يجري للجامعات، ولم ينتبهوا للحظة واحدة أن ما تعاني منه الجامعات هو أثر جانبي لما أصاب البلد من صراع سياسي، ولم يدُر في خلدهم أن مجتمع المقاومة بحاجة إلى أن يكون التعليم الجامعي مجانيًا، أي أن تتعهد الحكومة بكلفة تعليم الطلاب، بدل من أن يقع هذا على كاهل الأهالي، خاصة الفقراء منهم، والتي أصبحت عملية تحصيل الرسوم منهم عبارة عن معارك كر وفر، وهجوم وانسحاب، واستراتيجيات وتكتيكات متبادلة بين الأهالي والجامعات.

والأدهى من ذلك أنك تستمع أحيانًا إلى انتقادات كم من مسئولين وقيادات في غزة للجامعات، أنا لا أُنكر وجود قضايا محل انتقاد في الجامعات، لكنني على يقين أن الجامعات هي من أكثر المؤسسات، سواء الحكومية أو الأهلية أو غير الحكومية، نجاحًا، أو أقلها فشلًا إن لم ترُق كلمة نجاحًا للبعض.

ما زالت الجامعات تمتلك ما تقدمه، على الرغم من كل ما تعانيه، وما زال من بين الأكاديميين فيها من يمثلون منارات يُهتدى بهم، ومن خريجيها من يملؤون السمع والبصر في مختلف التخصصات، ويرحم الله العالم د. جمال الزبدة، الذي لمس الناس أثر ما فعل.

أنا هنا لا اتحدث عن رواتب وأموال، وإنما أتحدث عن توفير خدمة تعليمية للأجيال، وما يتطلبه هذا من قدرة المؤسسات على استقطاب الكوادر القادرة على تقديم الخدمة، بدلًا من أن يبحث كل واحد منهم عن حل فردي يناسبه، وقد أصبح البحث عن حلول فردية ظاهرة ملموسة، إذ يهاجر كل أستاذ جامعي يجد له فرصة في الخارج، ولو مؤقتًا، ويعقد المبتعثون إلى الخارج العزم على ألا يعودوا.

يا سادة، إن النظام المسيطر على الضفة جعل الكثيرين من الكوادر المحترمة من الكفاءات وحملة الشهادات، وبسبب مواقفهم السياسية، جعلهم يبحثون عن مهن بسيطة مثل قيادة السيارات أو بيع الفلافل، مع كل الاحترام لكل المهن، لذلك يجب الانتباه حتى لا يكون أصحاب الكفاءات من حملة الشهادات وأساتذة الجامعات مخيرين بين البحث عن العمل في الخارج، أو البحث عن مهن متواضعة بسبب صعوبة الأوضاع الخارجة عن إرادتهم، إضافة إلى السياسات التي تجعل الأوضاع أكثر صعوبة.

في كل الأحوال ما زال في الجامعات نواة صلبة قادرة على الصمود رغم كل الصعوبات، لكن العملية التعليمية والبحثية، تحتاج من القيادات إلى أن تُعدِّل في خططها وأولوياتها، بحيث تكون العملية التعليمية واحدة من الأولويات المتقدمة، أما إذا أعفت القيادات نفسها من المسؤولية، وبقيت تطالب الجامعات بإجراء تعديلات وتقليصات، فإنها مع الوقت لن تجد مؤسسات، ولن تجد تعليمًا جامعيًا قادرًا على مواكبة احتياجات العصر.