دعونا من ثقافة الهزائم والمهزومين

دائمًا المجد للقوة، ومن نافلة القول أن نُذكر بالحديث الشريف: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف...).

وهنا يأتي ربط القوة بالإيمان المرتبط بالعقل فكرًا وممارسة..

وهكذا يمكن أن نؤكد بأن القوة دون عقيدة إيمانية وعقلية ناضجة، إنما هي همجية عاتية، ربما تودي بحياة ومصير من يحوزها.. فكما الطفل الذي يلعب بالنار لا يأمن الاكتواء بها، أو احتراقه...

أما مناسبة هذه الفذلكة الموجزة؛ فهي حكاية الطيار الباكستاني الذي أسقط طيارات إسرائيلية في نكسة حزيران/ يونيو 1967؛ التي نشرتها الصفحة الأخيرة بجريدة فلسطين الاثنين المنصرم.

ظننت أنني سأقرأ ملحمة من البطولة والفداء والوطنية التي لا تضاهى؛ كي أستزيد ثقافة وعلمًا، يبدد دياجير الظلام، التي طمرتنا تحت ركامها الثقيل؛ منذ أكثر من قرن من الزمان، ولنأخذ منها العبرة والعظة، في مشروعنا لبناء صرح قوتنا وشموخنا...!

وبعد أن قرأت الحكاية بإمعان شديد، مرتين، تذكرت قصيدة نزار قباني "هوامش على دفتر النكسة" التي زفر بها -بقرف شديد- على إثر هزيمة 1967؛ وقد استهلها بالقول: "أنعى لكم يا رفاقي اللغة القديمة والكتب القديمة، وكلام العهر والهجاء والشتيمة... أنعى لكم نهاية العهد الذي قاد إلى الهزيمة...".

الحقيقة؛ أن نزار وغير نزار لم يفاجؤوا بالهزيمة؛ وهو السفير والدبلوماسي والشاعر والأديب، والعارف -ولو بالحد الأدنى- بما نملك أو لا نملك من إمكانات، ومقومات القوة؛ عسكرًا وسياسةً وحكمًا وعقلًا، وما يقابلها من أخبار.       

كان يعرف؛ وكل الدنيا تعرف أننا ما انتكسنا من قلة سلاح أو إمكانات -ولو بالحد الأدنى- لا طائرات "المستير" الفرنسية كانت أقوى من "الميج" السوفيتية، أو أن المدرب والخبير الأمريكي أكثر علمًا وعبقرية من مقابله السوفيتي، الذي اعتمد عليه فريق "النكسة"، كما زعم هذا الطيار الباكستان "البنغالي" عزام "الأسطورة" في علم استيعاب علوم العصر الأمريكية الصهيونية؛ وقد جاءت ادعاءاته أسطورة رخيصة هزيلة في الدفاع "المغرض الهزيل" عن رعاة ودعاة الصهيونية في واشنطن ولندن وباريس، وتبعيه بلاده آنذاك لهذه المنظومة الراعية للأسرلة وتابعيها وتابعي تابعيها، بأرذل الأسعار إلى يوم الدين...!

                                    إنه الكذب الصراح

إن العرب، الذين انفتحوا على الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي منذ 1955 في فترة بولغانين وخروتشوف "أزهى عصور هذا المعسكر قوة وسياسة وعبقرية، لا كما ادعى فريق "سيف غرام" تلميذ "ابتدائيات" أمريكا وصهاينتها من "ملتبسي العروبة والإسلام"، الذين التبس عليهم بيت الله الحرام، والبيت الأسود...

لقد حقت علينا الهزيمة -لا النكسة في حزيران/ يونيو 1967- بفضل هؤلاء الأفاقين والمارقين، وحلفائهم غير المُبايعين وغير المؤمنين في عواصم المهزومين، وقد كانوا مدججين بكل أصناف الأسلحة؛ برية وبحرية وجوية، ومن الاتحاد السوفيتي، الذي انتصر من قبل لثورات كل من كوبا، وفيتنام والصين "الماوية"، وكوريا، وغيرها، وقد انتصرت على عملاء الإمبريالية الغربية والأمريكية؛ وذلك بإيمان وإرادة قادتها الأمناء وشعوبها العظيمة، أكثر مما هو بأسلحة السوفييت.

وبصرف النظر عن عقيدة قطبي الصراع العالمي آنذاك، إلا أن القطب الأمريكي كان وما يزال صهيونيا، ويتبنى سياسة الكيان الغاصب وعدونا الغادر -الكيان الصهيوني-، ويقف في المحافل الدولية والإقليمية عدوًا لدودًا لنا، فيما القطب السوفييتي، وقف يموننا بالسلاح والعتاد العسكري، بكل أشكاله وألوانه.. وبكل خبراته وتأييده، ولو بثمن، أو كما يشاع "لصالحه".

نعم.. الدنيا مصالح

لكن ثمة فروقات بين مصالح هذا الفريق وذاك.. فريق أمريكا لا يطيقنا، وملتبس صهيونيًّا، مع أن بعض أعرابنا ومسلمينا قد أصبحوا أمريكانًا أكثر من الأمريكان، ولم يفلحوا في استمالة هذه الأمريكا ولو نانومترًا واحدًا نحو أدنى حقوقنا.

وعليه؛ فلا لوم ولا تثريب على من ارتبط من العرب بالاتحاد السوفييتي بغرض التسلح، الذي وقف الغرب يمنعه عنا، ويقدمه منحة بدون مقابل لعدونا وغاصب حقوقنا.

أما وقد انهزم من حمل السلاح السوفييتي في 1967، وفي 1973، وفي اجتياح لبنان 1982، فما انهزم لقلة كفاءة ونوعية السلاح، وإنما لأسباب لعل أهمها انعدام كفاءة من حملوا السلاح، والكثير بينهم، وانعدام عقيدة تجمعهم.. هذا يشرق وهذا يغرب.

وبعد؛ أنت شجاع -بلا شك- يا من أسقطت الطائرات "الإسرائيلية" بطائرات أمريكية.. لقد قدمتَ شهادات مجانية للكفاءة والقوة الأمريكية!

ولعلك تناسيت أنك نصرت عدو أمتنا، وقدمت له خدمة لا تضاهى، وقد قدم لك فضلة من عنده...!

على كل حال لَسْتَ إلا من معسكر الهزيمة، ومن حَمل ورَوَّج لثقافة الهزيمة...

يرعاك الله يا هذا؛ لقد انتصرنا في أيار، وفي معادلة 1111 وأيدي مجاهدينا وأبطالنا على الزناد، وسلاحنا من صنع أيدينا ومؤيدينا، وبقوة إيماننا بحقنا وبطهرة نفوسنا.

إن ثقافة أبو عبيدة، والضيف، والقسام وغيرها ثقافة عز وفخر، على موعد مع الانتصار، مع الفارق الكبير في معادلة التسليح والسلاح... دعونا من ثقافة الهزائم والمهزومين.