سياسات الهبلان وخراب البلدان

لا شك أن الهبل والاستهبال في دنيا السياسة والدبلوماسية أقل خطرًا من الجنون، وفقدان العقل والوعي، ولطالما تحكم "المهابيل" و"المساطيل" في مصائر الأمم والشعوب، وأخذوا بها إلى مهاوي الردى.

لست أدري كم نسبة الألمعية والذكاء في "زواريب" وطننا، من الخليج إلى المحيط؛ وكأني أراه بلا هوية، أو لون، أو طعم.

لا؛ بل لا أدري كم درجة الهبل والاستهبال، عند "عُقَّال" القوم، وحكامه!

وطني حزين مهلهل؛ يتمرغ في وحول التخلف والأمية والهمجية، رغم أنه يتمتع بمساحة تربو على 13 مليون كم²، هي الثانية في العالم بعد الكتلة الروسية، وأنها الأهم في موقعها على خريطة الكرة الأرضية، والأكثر جمالًا، وثروات طبيعية؛ لا يدانيها أو يقاربها غيرها من بقاع الأرض.

إن ثمة خللًا في الأمر أحالها إلى خرائب ومصائب في خرائط العز والكرامة السياسية والحضارية، رغم أنها مهد الحضارة البشرية الأولى، ووطن الأبجدية، والنوتة الموسيقية، وجدول الضرب والحساب، وملهمة الرسل والأنبياء، وانتهاء بالكاز والبنزين والغاز ... كما تطورت حواضرها من بيوت الشعر والخيام إلى ناطحات السحاب، وتضخمت فيها الثروات، وطفحت بالفقر والفقراء إلى جانب محدثي النعمة من الأثرياء!

ورغم كل هذا وذاك اتخذت موقعها في أعماق التخلف بلا منازع، وفي قصب الدفاع عن الحقوق والواجبات توالت عليها الهزائم أشكالًا وألوانًا، حتى احتقرتها أحقر حقارات الأرض!

تُرى؛ هل يختلف اثنان في أننا في غابة من الرعاع والهبلان، نُساق فيها كالسوائم والأنعام؟!

ودائمًا نردد الدعاء المعهود: "اللهم ولِّ أمورنا خيارنا، ولا تولِّ أمورنا شرارنا"؛ في حين نرى عيانًا أنهم مهابيلنا، وبطانتهم أشر أشرارنا، ومساطيلنا!

لست أدري كيف نرجو نصرًا، أو نصيب تقدمًا؟!

وهكذا؛ إن "الدبور" لا يأتي بالعسل، كما أن الحمير لا تباري الخيل، مهما تزينت بأحلى السروج.

ثم إن الفرس من الغبن أن يركبها "إكديش" أو أن يعتلي صهوتها إلا فارس.

واعلم علم اليقين أن الشعوب الحية المستنيرة لا يمكن أن يتولاها الهمج والمهابيل، وإلا سقطت سقوطًا مدويًا، لتغدو على مستوى مهابيلها ومساطيلها، الذين غالبًا ما تكون التحالفات الهمجية الأجنبية سندًا ومؤيدًا لها ... هنا نكون الطلائع المستنيرة في هذا الجو الكئيب مهانة لا تستطيع حراكًا، أو بين المنافي والسجون، "ليخلو الميدان لحميدان"، والشعب يرتع في كهوف الظلام والجهل، وكل بيئة الهزيمة والتخلف.

ويبقى الشرر تحت الرماد، لكن بذرة النماء الحية –مهما طال موسم الجفاف– سرعان ما تشق الأرض اليباس، وتكسوها خضرة وجمالًا.

وهكذا؛ فإنه حين يبلغ السيل الزُّبى، وما بالمستطاع تحمل الحال، ما يحتم بزوغ فجر، يحطم الأصنام والأوثان ومساخر الزمان، من الهمج والهبلان؛ هنا يبدأ عصر اليقظة والنور، وينجلي الظلام، لكنها سنة الحياة، للهبلان جولتهم، وزمانهم؛ ما أتعس الحياة في زمان كهذا!

وما انتصارات "أيار" في عصر النور الساطع مع مجاهدينا وأبطالنا الشجعان على بطاح غزة الإباء والمروءة، إلا بداية لعصور جديدة؛ تنزوي فيها أصنام الاستهبال مهزومة مرذولة إلى مزابل التاريخ، وبئس المصير.

وأخيرًا وليس آخرًا يبقى من السهل التعرف إلى صفات المهابيل؛ التي لا تقل في وساختها عن أوصاف المجانين والخونة والآبقين، ليتعرف إليهم أولو الألباب، ويصلوهم سعيرًا.

تُرى؛ هل يعلمون ماذا يفعلون؟! دع التاريخ ينبئنا.