تقرير بأقمارها الشهداء.. "بوابة الشمال" تعيد رسم مشهد الاشتباك بدماء أبنائها

...
جنين - غزة / يحيى اليعقوبي

لم يكن اختيار مخيم جنين ليكون ساحة المعركة الأشرس التي خاضتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المقاومة الفلسطينية مطلع انتفاضة الأقصى جزافًا، فقد أدرك المحتل أن كل حجر داخل المخيم يقف استشهاديًّا ينتظر لحظة الانفجار في وجه كيانه.

اليوم تعيد جنين التي غابت أصوات الرصاص عنها، رسم مشهد الاشتباك مجددًا بدماء أبنائها الذين قاوموا اقتحام قوة إسرائيلية خاصة (وحدة يمام) في أثناء محاولتها التسلل تحت جنح الظلام لملاحقة مقاومين في المدينة فجر الخميس.

أطلقت القوة المهاجمة الرصاصة الأولى، وتعالت أصوات الرصاص في سماء جنين، لم تكُن هذه المرة الرصاصات في الهواء بعد نهاية كل خطاب ومؤتمر للأجنحة العسكرية.

وعلى الفور صوب الملازم أدهم ياسر توفيق عليوي (23 عامًا) من مدينة نابلس، والنقيب تيسير محمود عثمان عيسة (33 عامًا) من بلدة ميثون قضاء جنين، أسلحتهما صوب القوة الإسرائيلية المهاجمة التي قتلت الأسير المحرر جميل محمود العموري من "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي.

وأكملت القوة الإسرائيلية مسلسل جريمتها بإطلاق النار على مقر جهاز الاستخبارات الفلسطينية في جنين ليردا على الرصاص بالرصاص نفسه وترتقي روحيهما للسماء مضرجين بدمائهما.

شهادات ميدانية

وروى الناشط علي سمودي لصحيفة "فلسطين" شهادته: "ما جرى من صد للاقتحام، رد طبيعي لأي إنسان يتعرض لاعتداء، بعد أن أطلقت قوات الاحتلال النار على أفراد الأمن الفلسطيني داخل مقرهم فردوا بالمثل".

وقال سمودي: حينما قامت الوحدة الخاصة بقتل الشرطي الأول من جهاز الاستخبارات حاول زميله إسعافه فقاموا بإطلاق الرصاص عليه، لتتعرض قوة الاحتلال لوابل كثيف من الرصاص، ما يدلل على "أنا شعبنا يكره الذل والمهانة، وقادر على الدفاع عن نفسه وأن هؤلاء العناصر الأمنية هم جزء من الشعب".

حدث يراه سمودي أنه لن ينتهي عند آخر رصاصات أطلقت، أمس، بل له تداعيات خطرة، لكون جنين الملقبة بـ"بوابة الشمال" بالضفة وإن غابت عن المشهد فإنها "عندما تعود يتغير كل شيء على الأرض بعودتها، وأن الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال والدور البطولي لأقمار جنين الثلاثة له أثره في تحفيز أفراد الأجهزة الأمنية والشباب للمضي على دربهم".

ومتوشحًا بالكوفية محمولًا على أكتاف زملائه ببزته العسكرية، وعلى كتفه نجمتان أضاء بهما سماء الشجاعة، عاد الشهيد أدهم عليوي إلى منزله، ولكن هذه المرة بطريقة مختلفة ألقت عليه والدته نظرات الوداع.

بعينيها المحمرتين وكأن الدموع تجمدت فيهما رثت أم أدهم ابنها الشهيد: "رحمه المولى والشهداء اللي معه، ابني مش أحسن من غيره اللي استشهدوا على أرض الوطن، اليوم ابني وبكرا غيره، فخر إلنا رفع راسي (...) وأقول للاحتلال: ما بتكسرونا لا بموت أدهم ولا بمية متلهم وابني ضحى لأجل أولاد شعبه".

"جنين.. الاسم اسم جنين.. والصباح صباح الشهادة.. واللون لون الدم.. والريح ريح المسك.. والثورة ستبقى متحفزة ما دام فينا من يلقى المولى مقبلًا.. السلام على جنين، وعلى أهلها، وعلى شهدائها"، كلمات خطها الكاتب ساري عرابي.

أما الكاتبة لمى خاطر فكتبت قائلة بعد أن ترحمت على أرواح الشهداء: "حينما يدرك المحتل أن اقتحاماته مكلفة، سيعيد حسابات عربدته في الضفة.. ما حدث في جنين يفتح نافذة أمل بأن تغيير معادلة الضعف ممكن جدًّا".

وكتب الشاب فادي دويكات: "مشهد الدماء النازف في جنين يجسد الوحدة التي يجب أن تكون حالة دائمة في واقعنا الفلسطيني، التي طالما عايشناها في السنوات الماضية".

حادثة استشهاد أقمار جنين تذكر باستشهاد العريف طارق بدوان الذي طالته رصاصات الاحتلال في 2 يونيو/ حزيران من عام 2020 في أثناء اقتحامها لجنين وهو جالس في مقر عمله، ليبقى التساؤل: هل ستعيد الأجهزة الأمنية بالضفة ترتيب سياستها مع الاحتلال في ظل الاستهداف المستمر لعناصرها؟ أم ستبقى صامتة إزاء كل جريمة؟".