رسالة غزة بين يدي حوارات القاهرة المقبلة

حوارات جديدة تنطلق في القاهرة خلال الأيام المقبلة لتجمع الفرقاء الفلسطينيين على مائدة واحدة، لتعود معها من جديد أحاديث الوحدة الوطنية والمصالحة الفلسطينية والعقوبات الجماعية على غزة، وحرمانها حقوقها أسوة بالضفة المحتلة في حلقة مفرغة يراد لنا أن نعيش داخلها دون تحقيق إنجازات ملموسة على صعيد الوطن والمواطن الفلسطيني.

رغم دعمنا للجهود المصرية على صعيد التهدئة مع الاحتلال والتخفيف من معاناة غزة إلا أن تشديد الحصار الصهيوني المفروض على غزة، واستمرار العقوبات الجماعية التي تفرضها السلطة الفلسطينية على أهالي غزة تبقى التحديات الأبرز أمام نجاح الجهود المصرية، خاصة مع نكوص الاحتلال عن تفاهمات التهدئة وإغلاقه المعابر التجارية ومنعه وصول المنحة القطرية التي تستفيد منها مئة ألف أسرة فلسطينية فقيرة في غزة.

ندرك أن التقلبات السياسية لدى الاحتلال، وصراعاته الحزبية الداخلية ستعيق نجاح الدور المصري في الفترة الراهنة، إلا أن الدور المصري ينبغي أن يكون ضاغطًا على الاحتلال باتجاه إلزامه بعدم اتخاذ أي إجراءات تصعيدية تجاه أحياء مدينة القدس والمسجد الأقصى، إضافة إلى تحذيره من التنصّل من التزاماته تجاه غزة وفق اتفاقيات التهدئة السابقة، وهي عوامل قد تشكّل صاعق تفجير للمنطقة من جديد، مما يُنذر بإفشال الجهود المصرية تجاه تحقيق تهدئة مُستدامة في غزة.

من ناحية أخرى فإن تراجع السلطة الفلسطينية عن تفاهمات القاهرة في فبراير/شباط الماضي، واتخاذها قرارًا منفردًا بإلغاء الانتخابات الفلسطينية، خوفًا من فوز حركة حماس بحسب تصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن قبل أيام، وعودتها إلى سياسة الاعتقالات السياسية للناشطين الفلسطينيين ومرشحي القوائم الانتخابية المستقلة في الضفة، ومحاولة اغتيال بعضهم دون صدور أي تنديد من الجانب المصري رغم وضوح الجهة السياسية التي باتت تُفشل الجهود المصرية وتُعطّل إتمام الوحدة الفلسطينية.

واليوم وبعد الإنجازات الإستراتيجية التي حققتها المقاومة الفلسطينية في معركة سيف القدس على الصعيد الوطني، واستعادة القضية الفلسطينية مكانتها الطبيعية في المحافل الدولية وعلى طاولة صُنّاع القرار الدوليين رغم المحاولات الحثيثة سابقًا لوأدها وتحويلها إلى مجرد قضية إنسانية، ينبغي أن يكون الهدف من حوارات القاهرة تحقيق إنجازات بمستوى الحدث الكبير الذي عاشه الشعب الفلسطيني وأنصار القضية على مدار أحد عشر يومًا من المواجهة العسكرية المفتوحة مع الاحتلال.

فالمقاومة الفلسطينية التي ساهمت عمليًّا في استعادة الشقيقة مصر دورها الإقليمي المنشود، وإعلاء مكانتها الدبلوماسية في الإقليم من خلال الموافقة على التهدئة مع الاحتلال، وترتيب استقبالات تليق بممثل الرئاسة المصرية في غزة خلال زيارة وزير المخابرات المصرية عباس كامل الأخيرة إلى غزة، وعدم ممانعتها استئناف مفاوضات تبادل الأسرى برعاية مصرية، وتقديمها دليلًا ملموسًا على وجود جنود أسرى أحياء في غزة عبر شاشة قناة الجزيرة مؤخرًا، إنما هي تهدف إلى إنجاح الدور المصري الشامل في رعاية القضية الفلسطينية وإنهاء الانقسام الفلسطيني.

تأمل غزة من الجانب المصري الوقوف بحزم أمام محاولات الالتفاف على إنجازات المقاومة في معركة سيف القدس، وعدم قبول إجراء اجتماعات فصائلية شكلية تُفرغ الحوار الوطني من مضمونه السياسي والوطني، فجوهر المشكلة هو تفرد ثلة سياسية في رام الله بالقرار الفلسطيني، وهيمنتها على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورفضها استعادة المجلس الوطني الفلسطيني دوره الحقيقي في تمثيل الكل الفلسطيني، وما طرح تشكيل حكومة وحدة فلسطينية على طاولة الحوار المقبل في القاهرة إلا محاولات مقصودة لإفشال الحوار الوطني، وتهرّب سياسي من جوهر الانقسام الفلسطيني، ورفض مسبق لإتمام الوحدة الوطنية التي ينشدها الشعب الفلسطيني.

وعلى الصعيد الإنساني وإننا إذ نشكر الشقيقة مصر على مبادرتها لتقديم المساعدات لأهالي غزة، والإسهام عمليًّا في إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، فإن غزة لا تزال تأمل من الشقيقة مصر القيام بإجراءات عملية لكسر الحصار عن غزة، فنجاح الرعاية المصرية للملف الفلسطيني يتطلب منها إعادة النظر في إجراءاتها تجاه منع عشرات الألوف من الغزيين من المرور عبر الأراضي المصرية لأسباب مجهولة، خاصة وأن معبر رفح يمثل شريان الحياة للفلسطينيين في غزة، وهنا نتساءل عن أسباب عدم فتح المعبر بشكل طبيعي على مدار الساعة أسوة بباقي المعابر الحدودية لمصر الشقيقة!

كما أن معاناة المسافر الفلسطيني عبر الأراضي المصرية، وامتهان كرامته من خلال دفعه للمبيت في العراء خلال عودته من القاهرة إلى غزة، وفرض رسوم وضرائب باهظة على المسافرين الغزيين، وتفتيشهم بشكل مهين عبر الحواجز العسكرية وسط سيناء هي إجراءات تتعارض مع علاقة المودة والاحترام المتبادل بين الأشقاء، وإن إتمام الرعاية المصرية الشاملة للملف الفلسطيني تستوجب مراجعة جميع الإجراءات المهينة التي تمس المسافر الفلسطيني عبر الأراضي المصرية.

وختاماً فإننا نأمل أن تستعيد مصر العروبة عافيتها السياسية والوطنية، وتستمر في أداء دورها الإقليمي الداعم للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وأن تعزز علاقتها الدبلوماسية مع قوى المقاومة الفلسطينية التي أضحت اللاعب السياسي الأبرز في الساحة الفلسطينية.