غزة.. 4 حروبٍ وحصارٌ في 15 عاماً

عشنا التجربةَ كاملةً، ليست المرةَ الأولى التي نعيشُ فيها هذه التجربة، تعلّمنا منها الكثير، تعلّمنا أنَّ النتائجَ من الممكن أنْ تتأخرَ عن الفعل مباشرة؛ لأنَّ استمرارية الحياة في كلِّ مرّة تُجابِهُ الموتَ، تنتصرُ عليه، فضَخُّ الدم في شرايينِ غزةَ لم ولن ينتهي.

نعم.. نخرجُ في غزةَ بعد كلِّ عدوانٍ إسرائيليّ بخسائر، ولكنَّ - صِدقاً - العائدَ أعمقُ بكثير، نتدبّرُ الأمورَ والأحداث، نجدِّدُ اليقينَ بالله، نبتسمُ لأنّنا نُيقِنُ أنّ الهدفَ أسمى وهو "فلسطين"، والأحداثَ التي نمُرُّ بها ما هي إلّا أقدارُ اللهِ التي لا تخطئ أحداً.

بعد كلِّ جولةٍ، يقف العالمُ مذهولاً، والاحتلالُ الإسرائيليّ في دهشةٍ من صمودِ هذه البقعةِ صغيرةِ المساحةِ كبيرةِ المكانة، نقهرُهُم بتجاوزِ الدمار والمعاناة التي تسبّبوا بها، نبني ما قصفوه من بيوت، ونُرمِّمُ ما تبقَّى من أحلامِنا، ونخرجُ أشدَّ صلابة.

أربعُ جولاتٍ.. كلُّ واحدةٍ أشدُّ قسوةً عن سابقتها، يخرجون من كلِّ جولةٍ بنشوةِ المنتصِر، يعتقدون أنهم انتصروا على عزيمتنا، وأنّ حياتَنا ستتوقف، ثمّ تخرجُ لهم قوتُنا الكامنةُ تصفعُهُم باستمرارِ حياتِنا، إيماناً منّا بعدالةِ قضيتِنا، فثباتُنا وقوتُنا وصمودُنا سيّدُ موقفِنَا.

في العادةِ التاريخُ يمجِّدُ الأموات، يذكُرُهم في صفحاتِهِ بعد وفاتِهِم كأنّهم قوىً خارقة، إلّا في غزةَ، تكتبُ تاريخَهَا بأحيائِها وشهدائِها، بمقاومتِها وصمودِها..

نعم، نكتبُ التاريخَ ونحفظُ تواريخَ وأيامَ بدايةِ الحروبِ الأربعِ على غزةَ كـ (حفظِنا تواريخَ ميلادِنا الأوّلِ) وهنا أقولُ الأوّلُ؛ لأنَّ في كلِّ حربٍ نُولَدُ من جديد، فأعمارُ غزةَ متشابهةٌ ومتساويةٌ "أربعُ حروبٍ وحصارٌ تجاوزَ الخمسةَ عشرَ عاماً"، نخرجُ دائماً منها أحياءً؛ لأنّنا في حضنِ الوطن، نتنفّسُ القدسَ، ونعتاشُ حُبَّ الأرضِ ما استطعنا إليها سبيلاً، ففلسطينُ خلاصُنا وكبرياؤنا، وهي جنّةُ الدنيا لنا.