تقدير موقف

غزة تحرم الإسرائيليين "صورة الانتصار"

يكاد الحديث عن إمكانية وقف العدوان على غزة ينحصر بين الإسرائيليين، وسط تناقضات وتضاربات لا تخطئها العين، لاعتبارات عديدة، رغم مطالبات متلاحقة أنه قبيل إعلان متوقع لوقف إطلاق النار لا بد أن يحصل الإسرائيليون على ما يسمونه "صورة الانتصار"، التي يقدمونها للرأي العام الغاضب على قيادتيه السياسية والعسكرية.

لم يعد سرًّا أن التركيز الإسرائيلي في الساعات الأخيرة يتعلق بالوصول لتحقيق "إنجاز" ما، يصلح أن يكون خاتمة لهذا العدوان، ومع قنوات التفاوض لإمكانية وقف إطلاق النار يشعر الجيش بضرورة الإسراع، وإنجاز مهامه.

في غمرة هذا النقاش دأبت الأوساط العسكرية على عقد اجتماعات ماراثونية للتصديق على خطط إطلاق النار، بحيث يقصر الوقت الذي تستغرقه الضربات الجوية، مع أنه منذ بداية العدوان على غزة نفذ الاحتلال أكثر من 1700 هجمة على أهداف مختلفة، ورغم هذه الهجمات العديدة للجيش تمكنت حماس من إطلاق صليات صاروخية بمعدلات مرتفعة على (إسرائيل) وفقًا لخططها المبكرة.

مزاعم سلاح الجو لا تتوقف عن توجيه ضربات قوية لغزة، واستهداف منظومات القيادة والسيطرة في المقاومة، لكنها في الوقت ذاته تمكنت من تنفيذ إطلاق الصواريخ في ساعات محددة، ما يطرح علامات استفهام عن مدى جدوى هذا العدوان من الأساس.

تؤكد المعطيات أعلاه أن الخروج الإسرائيلي من غزة بات ملحًّا، بسبب تزايد أعداد الضحايا المدنيين، وتنامي الانتقادات الدولية لـ(إسرائيل) عقب قصفها المبنى الإعلامي، ما سيضطرها إلى إنهاء العملية، التي قد تمنحها بضع سنوات من الهدوء بانتظار الجولة القادمة، على الأقل وفق الطموح الإسرائيلي.

يتحدث الإسرائيليون أن الصواريخ المنطلقة باتجاه القدس تخفي خلفها قصة حقيقية على مستوى أعمق، فقد خلقت حماس صلة عملية بين القدس وغزة، وفي هذه الحالة أي إخلاء للفلسطينيين من منازلهم في حي الشيخ جراح يعني أن حماس ستطلق الصواريخ، وأي اقتحام لعائلة من المستوطنين اليهود لمنازل في سلوان يعني أن حماس ستطلق قذائف الهاون.

تسعى قيادة جيش الاحتلال في محاولة يائسة لإقناع الرأي العام الإسرائيلي أن من أهداف الحرب التحقق من أن المقاومة لن تتعافى قريبًا من جراحها، بل تمتد أطول مدة، وبذلك تحقق الهدوء حتى الجولة التالية.

في الوقت ذاته تطالب دوائر صنع القرار الإسرائيلي رأيها العام الداخلي بألا يخطئ في الحسابات، فحماس لن تختفي من المشهد السياسي، و"جلدها" لن يتغير، مهما انسكبت النيران عليها، وإنجازاتها الواعية تمثلت في معدل إطلاق الصواريخ المثير للإعجاب، مع القدرة على إطلاق العشرات على منطقة واحدة، في حين شكل الوابل الرمزي على القدس ضربتها الافتتاحية.