ما بعد تأجيل الانتخابات التشريعية والحاجة لتأسيس نظام ثلاثي بديل

تنطوي عملية تأجيل الانتخابات التشريعية على جملة من المخاطر الشديدة، ويُمكن إجمال هذه المخاطر في النقاط التالية: أولها وقوع النظام السياسي بين براثن فريق صغير ومحدود يوظف القانون والمال والقرار لمصلحته، والأمثلة على ذلك كثيرة بدءًا من الإصرار على إجراء الانتخابات وفقًا لنظام التمثيل النسبي الكامل، وليس انتهاءً بتأجيل الانتخابات، مرورًا بكل المراسيم بقانون التي ألحقت القضاء بالسلطة التنفيذية، وتحجيم المؤسسات غير الحكومية، أما النقطة الثانية فتتمثّل في أن الأنظمة الفاقدة للشرعية، والمصرة في الوقت نفسه على البقاء في الحكم هي في العادة أنظمة مذعورة، وتلجأ إلى التعسف في استخدام أدوات الإكراه القانونية إلى أقصى مدى، وإن لم تستطع تحقيق مصالحها بأدوات السلطة الإكراهية، فإنها ستلجأ إلى البلطجة.

وثالث هذه النقاط تتمثل في فقدان ثقة الراغبين في التغيير بهذا النظام بسبب نكثه وعودًا بالإصلاح أطلقها منذ عام 2005، وبذلك سيكون هؤلاء أمام واحد من خيارين: فإما أن ينكفئوا على الذات ويفقدوا الثقة بكل شيء، وإما أن يلجئوا إلى منطق الثورة في التغيير بدلًا من التوافق والانتخابات.

ومن أجل تفادي حدوث هذه المخاطر النقاش العام يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن ما بعد تأجيل الانتخابات ليس كما قبله على الإطلاق، وهذا يشمل تكوين النظام السياسي وبنيته الفوقية والتحتية؛ وذلك لأن ما حصل يؤكد عجز النظام السياسي عن تمثيل الإرادة الشعبية، وأنه مصمم على خدمة طيف سياسي واحد، ثم إن الفريق الذي يُشغِّل هذا النظام السياسي ويسيطر عليه لم يعُد يمتلك الحد الأدنى من الذكاء الذي يؤهله لإدارة المشهد.

لقد سيطر على المشهد السياسي الفلسطيني الرسمي، الذي يحظى بالقبول في الإقليم والعالم؛ ثُلاثي مؤسسي متكلِّس، بغض النظر عمن يقوده، ويتكون من السلطة الفلسطينية ودولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية.

لقد فشل هذا الثلاثي المتكلس في تحقيق وحدة الشعب الفلسطيني، واستمرت حالة الخلاف المسماة (الانقسام) ما يزيد على عقد ونصف، وعجز عن حماية مصالح هذا الشعب، ومن أهم الأمثلة ومن أمثلة ذلك ما يجري من تهويد واستيطان في القدس ومحيطها، وسائر أراضي الضفة الغربية، كما أخفق هذا الثلاثي في تحقيق التنمية، فمعدلات الفقر والبطالة تتزايد، وتصرّف بطريقة انتقامية عقابية عُصابية مع كل خصومه الداخليين، لكنه أظهر سلوكًا أليفًا، بكل ما تعنيه الكلمة مع أعداء الشعب والقضية، حتى في أشد لحظات الحرج عندما كان يجري الحديث عن ضم الضفة الغربية.

ورغم كل جوانب الفشل والعجز التي ذكرناها آنفًا هذا الثلاثي تمكن من إخضاع المجتمع لسطوته، وجرف الحياة السياسية الفلسطينية، فلم يُبقِ من أبنيتها وهياكلها إلا المهترئ والفاسد، واستحدث أبنية جديدة غير قانونية، وفي الوقت نفسه قمعية مثل المحكمة الدستورية.

إن استمرار هذا الثلاثي العاجز والفاشل والجاثم على صدر الإرادة الشعبية يعني الانتقال من فشل إلى مزيد من الفشل، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في البنية السياسية القائمة، وإحداث التغييرات الضرورية حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من حماية وجوده، وصيانة حقوقه، وتوفير العيش الكريم لأبنائه في كل أماكن وجودهم.

هذا المقال يطرح ثلاثيًّا بديلًا عن الثلاثي القائم، ويتكون الثلاثي البديل من: المقاومة، والمجتمع، والقيادة بشقيها السلطوي والوطني.

فيما يتعلق بالمقاومة يجب أن تُصبح جزءًا رئيسًا من النظام السياسي الفلسطيني، وأن يُنظر إليها رافعة له، لا عبئًا عليه، المقاومة بكل أشكالها، بحيث تتحول إلى منهج حياة، يمارسه كل أبناء الشعب الفلسطيني بما يتناسب مع إمكاناتهم وظروفهم، وأن تتوافر الموارد التي تساعد المقاومة على التطور على طريق خوض حرب التحرير ضد الاحتلال.

أما بخصوص المجتمع فيجب بناء استقلالية واسعة له عن السلطة، وتصميم ثلاثة مجالات عامة يتحرك فيها المجتمع بالتعاون مع السلطة، ولكن باستقلالية، وهذه المجالات العامة هي: المجال الإغاثي، والمجال التنموي، والمجال التكافلي التضامني التراحمي، وهذا يتطلب إنشاء صناديق مالية سبق أن تحدثنا عنها في مقالات سابقة، ولا داعي للتكرار هنا، أما الجديد في هذا المقال فهو تصميم مجالات العمل هذه جزءًا من عقد اجتماعي تتفق عليه القوى الفاعلة في المجتمع، وتكمن أهمية عمل المجتمع الواسع والمستقل في المجالات الثلاثة المذكورة آنفًا في أنها تُخرج حياة الناس ومصالحهم وأرزاقهم من إمكانات الضغط التي يمارسها الاحتلال على القيادة الفلسطينية، ويُبقي بين يدي الناس ما يساعدهم على البقاء والصمود والمساهمة الفاعلة في حماية وجودهم.

المجال الثالث ينقسم إلى قسمين: القسم المتعلق بالجانب السلطوي السياسي والإداري، والقسم الوطني، هذا المجال بقسميه أو فرعيه يمكن أن يحمل الأسماء القائمة حاليًّا نفسها، أي السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية.

المطلوب في الثلاثي البديل ليس تغيير السلطة والمنظمة، ولا الانقلاب عليهما، وإنما إعادة تقسيم الأدوار، وتحديد متجدد لمساحات العمل، بحيث تتوقف السلطة عن دورها الأمني مع الاحتلال نهائيًّا، وتُنهي قبضتها على المجتمع وتحكمها في تفاصيل حياته، وتبتعد عن لعب أدوار سياسية تمثيلية للشعب الفلسطيني، وتركز في تقديم الخدمات، وتوفير بيئة آمنة تساعد الناس على التنافس في بيئة تتوافر فيها العدالة.

والقسم الثاني المتعلق بالجانب الوطني يمكن أن يحمل الاسم الحالي نفسه (منظمة التحرير الفلسطينية)، بشرط توسيع دورها، وتحللها من الاتفاقات التي وقعتها مع الاحتلال، ويكون دورها توفير الرعاية لأبناء الشعب الفلسطيني في الخارج، وتقود كل أشكال كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، وهذا يوجب أن تنفصل قيادتها عن قيادة السلطة، وأن تتخلى هذه القيادات عن العلاقة المميزة مع الاحتلال، وكل ما يترتب عليها من امتيازات وبطاقات (VIP)، وغيرها من الامتيازات.

إن هذا التقسيم لمكونات النظام السياسي الفلسطيني يتطلب إطلاق طاقات مكوناته الثلاثة، وبناء حالة من التعاون بينها، ورفض أي علاقة تبعية أو هيمنة من طرف على الأطراف الأخرى، كما أن هذا التكوين يسمح بالتعبير عن أطياف الشعب الفلسطيني كافة، ويمكنه من التعبير عن إرادته الشعبية، عكس الترتيب السابق الذي وضع الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة تحت هيمنته، وبالتالي تحت سيطرة الاحتلال، ويمكن القول إن الترتيب الجديد هو أقرب إلى بنية حركة تحرر وطني منه إلى دولة تخضع للاحتلال، وتلتزم أمام الدول الاستعمارية بتوفير الحماية لهذا الاحتلال الغاصب.