الحاج "نبيل الكرد" يعيش مخاوف فقْد منزله الثاني في "الشيخ جراح"

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

وقفت الشابة منى الكرد وهي تحاور مستوطنًا يقف في حديقة منزلها تذكره بالحقيقة التي يحاول إنكارها: "يعقوب؛ أنت تعلم أن هذا ليس منزلك"، لكن المستوطن الذي تتدلى كرشه أمامه واكتملت استدارتها على مدار سنوات طويلة في نهب وسرقة كل ما هو فلسطيني حتى اقتربت من ملامسة الأرض، رد بوقاحة: "نعم، ولكنك تعلمين أنني حتى وإن خرجت فأنت لن تعودي إلى المنزل".

امتلأت الكلمات الغاضبة على مدخل فمها قبل أن تحررها "أنت تسرق بيتي!"، أما هو فكان يتكلم ببرود واستفزاز: "إذا لم أسرقه فسيسرقه آخر"، قبل انتهاء الحوار أشارت له منى بإصبع التحذير "ليس مسموحًا لأي شخص بسرقته".

دارت تفاصيل الحوار في المساحة الفاصلة بين منزل منى الكرد الذي سرقه الاحتلال عام 2008 وهو يحاول سرقة المنزل الثاني، بعد أن أمهلت المحكمة الإسرائيلية العليا الأحد الماضي 4 عائلات فلسطينية مهددة بالإخلاء من حي الشيخ جراح في القدس المحتلة حتى يوم غد الخميس 6 مايو/أيار 2021 من أجل التوصل إلى اتفاق مع الشركة الاستيطانية بشأن ملكية الأراضي المقامة عليها منازلهم، لتبعث منى رسالة إلى المحكمة بـ"أننا لن نرضخ لكم وأننا أصحاب البيت".

"الواحد قاعد زي الحارس، بتوقع أي غدر.. اللي أخد الدار الأولى دون محاكمة مش صعب عليه يضع يده على الدار الثانية بقوة السلاح"، بهذه الكلمات استهل الحاج نبيل الكرد حديث لصحيفة "فلسطين" عبر الهاتف.

رفض القرار

ويتمسَّك الكرد ببيته حتى آخر رمق، يرفض رفع راية الاستلام، متسلحًا بالحق الذي لا تأفل شمسه ولا تُنكر حقيقته حتى وإن حاول المستوطنون ومن خلفهم شرطة الاحتلال إنكاره أو محاولة سرقته، فإنَّ عُمُر وجود هذه العائلة بمدينة القدس أقدم من عُمُر أي مستوطن وطِئت قدماه أرض القدس وفلسطين.

وما يهوِّن على الحاج نبيل المأساة، هو التحام أبناء الحي المهددة منازلهم بالإخلاء، وتلك اللافتات التي وُضعت على الجدار وتطالب بالتضامن معهم، ووقفات تضامنية تداعت من المدن الفلسطينية كافة لنصرة "الشيخ جراح".

وأمهلت المحكمة عائلة الكرد والجاعوني وقاسم وسكافي حتى الخميس للحوار مع المستوطنين قبل إصدار قرارها، حوار رفضه الحاج نبيل الكرد أمام القاضية وهنا أيضًا جدد هذا الرفض بصرخة مدوية غاضبة مصحوبة بضحكة سخرية احتار فيها في التعليق على طلب قاضية المحكمة.

ويقول: "تخيل تطلب منا المحكمة أن نبرم اتفاقًا مع المستوطنين بشأن ملكية الأرض، وهذا لا يمكن أن يحدث لأنه وإن حدث الحوار فإنه سيجرُّ باقي العائلات خلفه، والشيء الثاني أن صاحبة الولاية على الأمر هي الحكومة الأردنية".

جذور القصة تمتد إلى خمسينيات القرن الماضي عندما بنت وحدات سكنية لـ 28 عائلة لاجئة من أراضي عام 1948، بعد تهجير الأهالي قسرا من مدن وأحياء في الداخل المحتل، وقررت الحكومة الأردنية بالتعاون مع أونروا توطينهم في القدس مقابل تخليهم عن حقوقهم كلاجئين.

واختيرت هذه العائلات التي بنيت لها وحدات سكنية في كرم الجاعوني وتعاقدت الأردن مع المواطنين على دفع إيجارات لمدة 3 أعوام لتصبح المنازل بعدها ملكًا لهم، وانتهت عقود الإيجار عام 1959، وبات المواطنون يتصرفون تصرف المالك في العقارات.

لكن الصراع مع المستوطنين بدأ عام 1972، حينما ادَّعت جمعية استيطانية ملكيتها للحي، وقامت بتهجير ثلاث عائلات عام 2008- 2009م، عندما وضع المستوطنون أنظارهم وأيديهم على منزل الحاج نبيل الكرد الأول، وبقي يعيش في منزله الآخر الذي يحاولون الآن تهجيره منه.

الفقد الأول

تفاصيل ما حدث في البيت الأول لا تزال جاثمة على ذاكرة الحاج نبيل، إذ يضيف: "بنيت ذلك البيت حتى نتوسع من ضيق الحياة لأن عددنا أصبح ثلاثة عشر فردًا، والبيت الذي استلمناه من الحكومة الأردنية لم يزد عن ستين مترًا، لكن تفاجأنا عام 2008 بقوة كبيرة من جيش الاحتلال تقارب ألف شخص يصطحبون خيالة وكلابًا وجنودًا وآليات حاصروا الحي وأخرجونا بالقوة".

ويتذكر ما حدث حينها.. "كانوا يرمون أثاث المنزل من النوافذ بعدما هجموا علينا بوحشية".

ولم تترك العائلة المنزل الذي استولى عليه المستوطنون، فوضعت خيمة اعتصام على مدار عامين تصدح وتنادي لعلها تستعيد حقوقها، لكن حتى هذه الخطوة الاحتجاجية "السلمية" لم ترُق للاحتلال الذي أرسل مستوطنيه وأحرقوا الخيمة فيما غرمت سلطات الاحتلال العائلة 97 ألف شيقل.

ورغم أن تفاصيل جريمة إحراق الخيمة واضحة، فإن سلطات الاحتلال استمرت في التحقيق بالحادثة ثماني سنوات قبل أن تخبر الحاج الكرد بعد تلك المدة بأنها لم تستطِع تحديد من أحرق الخيمة.

وحينما يعيش بقربك مستوطنون فهذا يعني أن تنغص حياتك باستفزازاتهم، قبل أن تكسر قلبك الذي لا يتحمل أن يجاورك المحتل وأنت لا تستطيع طرده لأنه محمي بقوة السلاح، الحاج نبيل يدخل إلى تفاصيل تلك الاستفزازات: "أصعب شعور قهر أن تفتح نافذة بيتك وترى المستوطنين يدخلون إلى منزلك الأول، وأن ترى واحدًا منهم بلا حياء يتجرد من الملابس ويخرج ليرقص بشرفة المنزل، يلقون القمامة تجاهنا، وهذه الأفعال جعلتنا نتصادم معهم وفي كل مرة تعتقلنا شرطة الاحتلال وتترك هؤلاء المستوطنين يفعلون كل ما يريدونه".

والحاج نبيل الذي فقد منزله الأول، رفض عشرة ملايين دولار حينما زارته شخصية إسرائيلية حكومية وعرضت هذا المبلغ، يعيش اليوم على وقع مخاوف فقد ثانٍ.