لماذا الانتخابات ولماذا التأجيل وما مآلاته على القضية الفلسطينية وماذا بعد؟

...

يمكن أن نختلف في ترتيب الأولوية الوطنية، ليرى البعض أن البداية في تعريف البرامج الوطنية وترتيب البيت الفلسطيني وتحديد البرنامج السياسي الوطني في مواجهة الاحتلال أولًا ثم الانتقال إلى خطوات تنفيذية من قبيل الانتخابات، ويمكن أن يرى الآخر أن المسألة لها علاقة بما هو ممكن أو أسهل ليرى أن الجميع كان يريد انتخابات، فلنذهب إليها ثم نتفاهم لاحقًا على خطوات استراتيجية من قبيل البرنامج السياسي الوطني في مواجهة المحتل، والحقيقة أن المسألة ليست معادلة البيضة والدجاجة ومن يسبق الآخر، بل إن التفسيرين يؤديان حتمًا إلى نتائج مختلفة بل متباينة، وذات عواقب متفاوتة، وحتى هذا ليس الموضوع قيد البحث، فالمسألة اليوم قد تجاوزت هذا الجدل، وانتقلنا إلى حالة شبه إجماع وطني، قررته كل الأطياف السياسية المختلفة، وهو الذهاب إلى الانتخابات وفق أدبيات ومحددات وطنية، ومن خلال مارثون من اللقاءات وجغرافيا تكاد تتسع لكل الجغرافيا السياسية للوطن العربي والأمة الإسلامية..

وتوصلنا في النهاية إلى حالة إجماع وطني تقريبا على الانخراط في العملية السياسية من خلال تقديم خطوة على أخرى، وعليه لا يستطيع أي مكون فلسطيني أن يقف ضده، وحتى من لم يرد من الإخوة والأصدقاء المشاركة في هذا العنوان المجمع عليه وطنيا، فإنه حتما لم ولن يقف ضده أو يعرقله، فقد قالوا كلمتهم ورأيهم واحترمهم الجميع في حينه، ولم يتخلفوا عن الحضور في أي من اللقاءات الجامعة الوطنية، ولم يبخلوا بالنصيحة والتحذير، لأنه باختصار "كدر الجماعة خير من صفاء الفرد"، ولأن الوطن يتطلب أن تتوسع فيه مساحة الرمادي وتتقلص فيه الأطراف المتحجرة السوداء والبيضاء.

أما المفهوم الآخر فهو ماهية مفهوم الانتخابات في الوضع الفلسطيني الاستثنائي تحت الاحتلال، واغتصاب القدس والشتات الفلسطيني، "بعكوكة" من الصعب عمل قالب سحري لتطبيق آلية انتخابية كغيرها من جغرافيا الاستقرار في أماكن أخرى من العالم، إلا أن ماهية مفهوم الانتخاب هو اللجوء إلى كلمة الشعب، واليوم في الطيف الفلسطيني السياسي لا يوجد لا زعيم ولا حزب ولا قوة يمكن لها أن تدعي شرعية خاصة دون الاحتكام إلى الشعب، مهما كبر أو صغر، وعليه لا يحق لأحد أن يتطرف ويلغي مفهوما بنيويا في الحلبة السياسية الفلسطينية كالانتخابات، وكما قدمت سابقا مع احترام الاختلاف في أولويتها أو تأخرها على العناوين الأخرى إلا أنها أحد معايير الشرعية الوطنية، مع الأخذ بالاعتبار محدد الاحتلال عاملًا استثنائيًّا في السيناريو محل النقاش.

وفي ظل الإجماع الوطني ومحدد الشرعية الوطنية، يصبح من اللعب والهزل وعدم الجدية والخطورة في نفس الوقت أن يلوي طرف عنق النص، ويقرر خارج السرب في تأجيل أو تمهيد لإلغاء هذا القرار الوطني وهذه الانتخابات، سواء بذريعة موضوعية أو غير موضوعية، فالتراجع عن هذه الخطوة تتم بنفس الإطار الذي أُقِرَّت فيه وهو الإجماع الوطني. أضف إلى ذلك أنه لا يوجد مستجد يمكن أن يُعد طارئًا على سير العملية الانتخابية، فالتذرع بالقدس مسألة ساذجة جدا لسبب بسيط هو أن الاحتلال منع القدس في الانتخابات التشريعية السابقة ٢٠٠٦، واستطعنا أن نقدم حلولًا خلاقة لتجاوز ما يمكن تسميته تدخلات الاحتلال في لي الذراع الفلسطيني، الأمر الذي لم نسمح للاحتلال أن ينجح فيه.

"فماذا عدا على ما بدا"؟

عبر الشباب المقدسي اليوم كذلك من خلال استفتاء ميداني قدموا فيه دماءهم الطاهرة، وأرواحهم الزكية فداء للانتماء للوطن، فلا يزاودن أحد في قضية القدس، وكما ذكرنا فإن هناك من الحلول ما يمكن، بل ومنها ما نوقش مع أطراف إقليمية ودولية ممكنة وعملية لحل هذه المسألة، السؤال الذي يحتاج أن يجيب عليه الأخ الرئيس أبو مازن، ما الجديد؟ ولماذا يُتداوَل في مثل هذه القضية عبر طرق ملتوية كتسريبات متضادة من المقربين أو المحسوبين على الرئيس أو حتى من الجانب "الإسرائيلي" الذي صرح للأطراف الأوروبية أنهم لم يتدخلوا في الانتخابات والقرار عند أبو مازن؟! بالطبع لا نريد أن نقول إن مصداقية العدو مقدمة على مصداقية الرئيس، فهذا أيضًا من العبث السياسي.

بعيدًا عن الاستقطاب وأجواء التنابز والحدة، ما رشح على السطح هو استياء جماعي وطني ضد مثل هذه الشائعات، وضد خطوة التأجيل، ولذلك لا بد من التعامل مع الأمر بوطنية ومسؤولية عالية، والحقيقة من المهم التنبيه إلى المخاطر التالية وبشكل مختصر، التي تترتب على مثل هذه الخطوة:

ليس اتهامًا ولا مزاودة ما يحدث من تشرذم حزبي واضح لدى بعض الأطراف الانتخابية، والسماح لمثل هذه الحالة أن تضفي بظلالها على الجو الانتخابي والشرعيات الوطنية، تغول وتجاوز للواحد على الكل، والحقيقة من يخشى الدخول إلى حلبة التحكيم الشعبي، عليه أن لا يدعي التمثيل الفلسطيني، بل عليه ألّا يؤخر هذا الاستفتاء، ولذلك فإن استخدام أدوات السلطة في تنفيذ أجندات حزبية مسألة لا يمكن أن تأتي إلا بالشر على وطننا وشعبنا ناهيك من أن تأتي بخير.

على الرغم من المعطيات القانونية التي لا تخول شخصًا حتى لو كان الرئيس بإلغاء أو تأجيل العملية الانتخابية، فهذا يحدده القانون وليس المزاج الشخصي أو الحزبي، إلا أنه من الناحية السياسية والوطنية، له تبعات في تمديد وتعميق الانقسام الفلسطيني، والعودة إلى دائرة أوسع من التشرذم الوطني، يتحمل مسؤوليته من يحتكر السلطة ويتغول على القانون، نعم، الخطر يكمن في أن النتيجة هي انقسام وخرق ومهزلة قانونية، وتجاوز إجماع وطني، وكل من هذه العناوين له تبعاته وحساباته، ويتحمل مسؤوليتها تحملًا مباشرًا من يعطل مثل هذه العملية المجمع عليها وطنيًا.

إذا تم التأجيل أو الإلغاء فإن ذلك يعني المزيد من الفراغ الدستوري والسياسي، وتعطيل برامج النضال الوطني، ومن ثم المزيد من حالة الضعف الفلسطيني.

الأهم من كل ذلك، هو أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى إحباط شعبي، قد لا يكون أساسًا آمنًا بمثل هذه العملية، لكنه تماشى مع قياداته التي يرى فيها الخلاص من كل ما يعطل حياته ويكبت حريته، وهو يرى اليوم كيف أن هذه القيادات تلعب بمشاعره ومستقبله، فالنتيجة مزيد من المعاناة الأمنية في الضفة ومزيد من الحصار في غزة ومزيد من التهويد في القدس ومزيد من أزمة الهوية في الشتات ومزيد من متاهة الفرقة، وعليه كما ذكرنا المزيد من الضعف الفلسطيني، وإتاحة الفرصة للاحتلال أن يسرح ويمرح دون محاسب.

إن الأزمة السياسية التي يمر بها الاحتلال اليوم، والتي ترجمها فشله للمرة الرابعة في تشكيل حكومة، والأزمة السياسية التي يعانيها حتى على المستوى الدولي والدول المانحة في كونه أصبح عبئًا أخلاقيًا على تلك المنظومات في تعاطيها مع الشأن "الإسرائيلي" أمام شعوبها، وفي المقابل صورة الشرف والعزة التي سطرها المقدسيون اليوم في دفع الظلم والعدوان الصهيوني على المقدسات، يؤدي إلى نتيجة ساطعة أننا بوصفنا فلسطينيين أمام فرصة مواتية للتقدم نحو المزيد من الوحدة وليس الفرقة وأن نكون أقرب إلى النصر على العدو وكسر شوكته، لذا تصبح أي خطوة فردية أو أحادية الجانب باتجاه تقرير المصير الفلسطيني، تشكل طوق نجاة للمحتل الصهيوني من أزمته، وكذلك تزيد من الضعف الفلسطيني، فهل يعي صانع القرار الفلسطيني حجم التحدي وأن يكون على قدر المسؤولية في التقدم نحو كل ما هو مجمع عليه وطنيًا أم أنه يستمر في خطوات رعناء طفولية غير جادة قد تدمر ما بُني حتى اللحظة؟! أعتقد أن شعبنا قادر جدًا على الحكم على أولئك بطريقته المناسبة.

المصدر / خالد القدومي