إلى أين يا فلسطين؟!

...

آه آه يا فلسطين لو تعلمين كم أحبك! قد يتفاجأ القارئ عندما أتحدث بهذه الطريقة والأسلوب، خاصة عندما يكون الحديث عن المكان الذي عرج منه الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) إلى السماء، تلك البقعة الطاهرة التي تسمى بيت المقدس، تلك الرئة التي يتنفس منها العرب وذاك القلب النابض، نعمة من نعم الله التي وهبها لنا، وكنز من الجواهر واللآلئ، خيرات لا تعد و تحصى لا يعلمها إلا من تذوقها بنكهة زيتونها، وعلى مكانتها وما تمتلك من خيرات تئن منذ عقود من الزمن، تحديدًا من عام 1918 حتى عام 1948 حيث الجرح العميق ونزفها المستمر، فقد حيكت أكبر مؤامرة وأبشع جريمة عرفها التاريخ بعد القتل والسلب والتهجير والجرف، من أجل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، لأجل إعطاء "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وكانت النتيجة تهجير أكثر من مليون فلسطيني، رجال أصلاء وشجعان من القدس وحيفا ويافا وعكا وصفد وتل الربيع والمجدل وبئر السبع وبيت جبرين، وتركوا ما تركوه من خيرات ونعم، نعمة حقول البرتقال وأشجار الزيتون وكروم العنب وسهول القمح والبلوط والصنوبر وغيرها، ومنذ تلك الأيام الظلماء إلى يومنا هذا القضية الفلسطينية تشغل فكر جميع شعوب العالم بكل تفاصيلها وأحداثها، فمنهم من يتعاطف ويرأف بحال الشعب الفلسطيني، وبعضٌ يوجه اتهامه ويعزو سبب تعكر الأجواء الفلسطينية وعمليات التهجير وعزل غزة عن الضفة الغربية إلى عدة أقطاب لها تأثير مباشر في المشهد السياسي والعسكري في فلسطين، والمخاوف تأخذنا من تسرب هذه المفاهيم والتيارات على حساب الهوية الفلسطينية وعنوانها الحقيقي، ومحو القيم والمبادئ التي نشأ عليها المواطن الفلسطيني .

إن الأحداث التي تمر بها فلسطين وتعيشها الآن لم تأتِ عشوائيًّا، وإنما بتخطيط ممنهج وبتدخل أيادٍ خبيثة لعينة من الخارج أثرت تأثيرًا مباشرًا حتى في سياسة الحكومة الفلسطينية من الداخل، خاصة في ملف المفاوضات وإقامة الدولة المستقلة والاستيطان والقدس واللاجئين والأسرى، مع محاولة إلغاء صلاحية الحكومة والتمتع بسيادتها ومركزيتها، وقطب الرحى في الأزمات هي (إسرائيل) الجرباء.

فقد سعت (إسرائيل) منذ البداية بتوجيه وتخطيط أمريكي إلى تجزئة وتقسيم دولة فلسطين وتحقيق مآربهم الدنيئة، فكانت غزة هنا والضفة الغربية هناك، ولكل منهم أجندته الخاصة وسياسية في التعامل والتصرف.

إن الأحداث والأزمات التي مرت على البلدان العربية والثورات والانتفاضات صدقًا كانت أم كذبًا هدفها الأساسي تهميش وتغييب القضية الفلسطينية عن عيون العرب، وذلك بانشغالهم في أمورهم الداخلية والتدخلات الخارجية الخاصة بكل بلد، إضافة إلى القتل والإرهاب، واستهدفت وطننا العربي أبشع الغزوات، ومن ذلك الغزو الفكري الذي جعل (إسرائيل) تنفرد بفلسطين، إضافة إلى مآربهم الأخرى، فقد مزقت القدس إلى أشلاء وامتلأت (الضفة الغربية) بالمستوطنات التي حطمت على بواباتها حلم إقامة الدولة الفلسطينية وأصبح مستقبل فلسطين مجهولًا، وتلاشت الشعارات، من البحر إلى النهر أو من سيناء إلى الجولان، وتبقى فلسطين هوية وطنية مغروسة في قلوب رجالها الأوفياء، فهي عماد عزتهم أمام شموخ القدس .

إننا اليوم نوجه دعوتنا إلى الشعب الفلسطيني لإعادة ترتيب بيتهم الداخلي والالتفاف حول قضيتهم الجوهرية القضية الفلسطينية، وكذلك ندعو إلى وحدة صفوفهم المسلحة والثبات على موقفهم وإنهاء كل الانقسامات، والنظر إلى فلسطين وطنًا واحدًا دون مسميات غزة والضفة الغربية، والوقوف ضد الفساد والمطالبة بحق الشعب الفلسطيني في كل المحافل الدولية وبطرق أكثر فاعلية.

وهذا لا يتحقق إلا بوضع رؤية إستراتيجيّة وطنية شاملة على شكل خريطة طريق يشترك في إعدادها الأطياف السياسية الفلسطينية كافة دون استثناء، والاستفادة من التجارب والأخطاء السابقة في مسار القضية الفلسطينية، ثم تفعيل الدبلوماسية الفلسطينية الخارجية عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، واستثمار كل القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والبناء عليها، خصوصًا القرارات الدولية التي تمس فلسطين.

نحن اليوم في أمس الحاجة إلى تضافر جميع الجهود، ومنها جهود المنظمات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وكذلك تنشيط وتحفيز الدور الإعلامي لكي يأخذ مساحته الكافية، وكذلك دور رجال الدين في التوعية والإرشاد والمواعظ، ودعوتهم إلى نصرة قضيتهم وقضية العرب جميعًا، والحفاظ على فلسطين وتحريرها من الطواغيت.

المصدر / إبراهيم الدهش - كاتب عراقي