أسير كريم

...
نبيل سنونو

يرقبون الزمن، لعل عقارب الساعة تدور فتقف عند الأمل، ويتمترسون خلف الحياة بينما تحيط بهم ظروف الموت.

أتخيل أن أحدهم يمد بصره في أنحاء العزل الانفرادي، عله يرى هلال رمضان الذي يهفو إليه قلبه فيصطدم بجدران أربعة، هناك حيث لا علاقة بين السجان والإنسانية إلا التضاد.

مع كل دقيقة ينتزع السجان قطعة من روح وجسد الأسير، الذي سلبت حقوقه الإنسانية جميعا.

تتعلق روحه بعائلته، يتمنى لو عانق كل أفرادها وقبلهم، لكن هذا يبدو "حلما مستحيلا" إذ تكبله قيود المحتل وعشرات المؤبدات.

يرقب سنوات عمره التي يهدرها السجان بلا عودة، وشيب الوقار الذي تسلل إلى شعره حتى كساه، بعد أن زجه المحتل في السجن شابا أو صبيا.

ينهش المرض جسده، ويحاصره الإهمال الطبي، وسياسة القتل الاحتلالية الممنهجة.

ممنوع من التعبير عن الرأي، أو الكتابة في عزله الانفرادي، ممنوع من أن يكون فلسطينيا، أو إنسانا!

كل شيء ممنوع، إلا ما يؤدي به إلى الموت!

لكنه رغم كل ذلك يمتلك أملا، يخرج كما طائر العنقاء.

وآخرون يصنعون الأمل من الألم، يصممون على ممارسة حقوقهم وإن كانت كل الطرق مسدودة.

يزينون ما أمكنهم، جدران السجن بإبداعهم، يرسمون الهلال، يجهزون الكنافة، التي قد لا تمت بصلة للكنافة المعروفة من حيث المكونات، لكن تفوح منها رائحة الصمود.

يصلون التراويح ويتمنون أن تكون الصلاة جماعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

يحن كل منهم لأمه وأبيه وزوجته وأخيه، ومنهم من يبكي قريبا له كان الموت أقرب إليه من انتظار الإفراج.

تقتحم قوات مدججة بالسلاح أحلامهم وواقعهم، تفتشهم، وتبحث عن قلم هنا، أو ورقة هناك كتب عليها أسير أمنية!

تجتمع عليهم كل مؤامرات ومخططات إدارة السجون، مع جائحة كورونا التي تتربص بهم.

ليس لديهم ما يملكونه إلا الإيمان بقضيتهم العادلة، ووطنهم فلسطين.

يريدون أن يكون ثباتهم وجهة من يسعى لتعلم معنى الحياة: أن تكون حرا في ذاتك وداخلك، وإن قيدوك بألف مؤبد!

"لا تسل عن سلامته روحه فوق راحته.."، لعل هذا البيت من الشعر لإبراهيم طوقان هو إجابة السؤال عن حال الأسرى.

اعتدنا أن نقول "رمضان كريم"، وهذه المرة نقول "أسير كريم" فكل منهم كريم بما قدمه، إنهم قدموا لنا أعمارهم!

البث المباشر