ضرورة تكاتف القانونيين العرب مع فلسطين في ساحات القضاء الدولي

رفعت فلسطين دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة على الجرائم الخطرة التي ارتكبتها (إسرائيل) والمستوطنون.

من ناحية أخرى رفعت فلسطين دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الولايات المتحدة بسبب نقل سفارتها من (تل أبيب) إلى القدس.

وقبل عرض ما حصل في هاتين القضيتين نؤكد أن الطريق القانوني هو الأكثر ظهورًا لخدمة القضية الفلسطينية ضد الحليفين على انتهاك القانون الدولي، وهما الولايات المتحدة و(إسرائيل).

معلوم أن الفيتو الأمريكي خصص في العقود الأخيرة في مجلس الأمن لحماية (إسرائيل) من صدور قرارات ضدها وفق الفصل السابع، كما أن الولايات المتحدة تنتهك قرارات الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي وتعرض نفسها للمسؤولية الدولية (وهي الدولة العظمى المخولة حفظ السلم والأمن الدوليين )من أجل (إسرائيل).

وهذا يذكرنا بقضية الجدار العازل عام 2004، حين أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بإدانة قرار إنشاء الجدار العازل، وطلبت من محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًّا في مدى قانونية هذا الجدار، فأصدرت المحكمة في يوليو 2004، فتوى مهمة وكلفت الأمين العام للأمم المتحدة بالإشراف ومتابعة تنفيذ هذا القرار ولم يحرك ساكنًا.

وكان القرار يقضي بوقف بناء الجدار ثم تعويض المتضررين من الجدار من الفلسطينيين، ولكن الجدار اكتمل، ولم تأبه (إسرائيل) ولا الأمم المتحدة بالقضية.

المهم أن الجامعة العربية في ذلك الوقت كان لها دور مهم في دفع الجهود العربية أمام المحكمة مقابل الدول الأوروبية والولايات المتحدة و(إسرائيل)، الذين قدموا مذكرات دفاعًا عن الجدار، وعدته (إسرائيل) أهم أداة لمنع العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأمنها مقدم على أي شيء.

(للتفاصيل كتابنا: قضية الجدار العازل أمام محكمة العدل الدولية، القاهرة 2004).

واتصالًا بهذا الموضوع كانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت رأيًّا استشاريًّا بناء على طلب الأمين العام للأمم المتحدة، وقررت المحكمة أن إغلاق الحكومة الأمريكية مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في نيويورك مخالف لقرارات الأمم المتحدة واتفاقية مقر الأمم المتحدة واتفاقيات الحصانات والامتيازات التي انتهكتها الولايات المتحدة، وبالفعل عادت المنظمة إلى مكتبها في نيويورك، ولكني أعتقد أن اتهام واشنطن المنظمة بالإرهاب كان سببًا في إغلاق المكتب عام 1988، وقد أبدت واشنطن مرونة مع قرار المحكمة بعد محادثات مع المنظمة لتحبط قيام حماس عقب الانتفاضة الأولى عام 1987، وتمهيدًا لاشتراك المنظمة في مؤتمر مدريد عام 1991 ثم محادثات واشنطن 1991- 1993، ثم أوسلو في 13 سبتمبر 1993.

وأمام الجنائية الدولية كانت هناك تقارير من منظمات حقوقية طلبت التحقيق في الجرائم الإسرائيلية، ولكن المدعي العام كان متحيزًا لـ(إسرائيل)، أما المدعي العام الجديد السيدة بنسودا فكانت تتحدى الولايات المتحدة في أفغانستان وكذلك (إسرائيل) في فلسطين، فبادرت ببحث إمكانية تقرير اختصاص المحكمة الموضوعي والمكاني والشخصي، وقدمت تقريرًا مطولًا بحثت فيه الشخصية القانونية لفلسطين منذ اعترفت الأمم المتحدة بها دولة مراقبًا وغير عضو، وعضويتها بالمحكمة الجنائية الدولية، وسريان نظام روما على فلسطين (بعد طلب عضويتها) وقبولها اختصاص المحكمة.

وبينما كان المدعي العام يجتهد تصاعدت الأزمة بين السلطة و(إسرائيل)، خاصة بعد صدور قانون الدولة اليهودية عام 2017، وقرار ترامب الاعتراف بالقدس، وتصاعد الجرائم الإسرائيلية في فلسطين، فلما طلبت دولة فلسطين مقاضاة (إسرائيل) على الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967؛ أعفى ذلك المدعي العام بل قوّى ساعدها، وأصدرت الغرفة الأولى السابقة على المحاكمة قرارها في الأسبوع الثاني من فبراير 2021 بأن المحكمة مختصة بالتحقيق في هذه الجرائم وأن اختصاصها يشمل كل الأراضي المحتلة عام 1967، وهي الضفة الغربية وشرقي القدس وغزة، وقررت المحكمة أنها تجاوزت الجدل السابق في تمتع فلسطين بصفة الدولة، وهذه الصفة تقررت لفلسطين في 29 نوفمبر 2012، وهذا مكن فلسطين من الانضمام إلى المعاهدات الدولية، وهذا يعد انتصارًا قانونيًّا أحبط محاولات (إسرائيل) وواشنطن لالتهام فلسطين تحت عنوان صفقة القرن، كما أن المحكمة أكدت أنها بتقرير اختصاصها إنما تريد أن تبني السلام على العدالة وعدم الإفلات من العقاب، وقد أشارت المحكمة إلى أنها ستحقق في جرائم المسؤولين الإسرائيليين والمستوطنين.

والحق أن ملاحظات المقرر الخاص المستقل المعين من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان -وهو خاص بالأراضي الفلسطينية المحتلة- هذه الملاحظات كانت مهمة جدًّا في تسهيل مهمة المحكمة، ونأمل أن تكون المدعية العامة الجديدة (وهي من نيجيريا) مدركة أهمية القضية وصعوباتها وتحدياتها.

من ناحية أخرى، رفعت السلطة دعوى في 28 نوفمبر 2020، أمام محكمة العدل الدولية بسبب نقل واشنطن سفارتها من (تل أبيب) إلى القدس، وقد حشدت (إسرائيل) فرقًا قانونية للدفاع عنها ضد فلسطين.

ونحن نرى أن القضيتين بحاجة إلى دعم عربي كبير يتقدمه اتحاد المحامين العرب، ولكني أظن أن المحاذير الحكومية العربية قد تمنع المؤسسات القانونية العربية من القيام بدورها.

والبديل هو تشكيل فريق قانوني أهلي غير حكومي لدعم ومساندة الحقوق الفلسطينية.

وأخيرًا أظن أن السلطة كان أولى بها أن تجعل القضية أمام محكمة العدل الدولية هي انتهاك واشنطن للوضع القانوني للقدس ومخالفتها قرارات مجلس الأمن، أو أن تضم هذه القضايا المرفوعة لأنها متصلة بموضوعها.