هل تتحول إلى سنغافورة بعد الانتخابات؟

...

المتتبع التصريحات والتطورات المتلاحقة التي تشهدها الساحة الفلسطينية، عقب صدور المرسوم الرئاسي بإجراء الانتخابات التشريعية المقررة في أواخر شهر مايو القادم؛ يصل إلى قناعة أن غزة ستتحول إلى سنغافورة أخرى، عشية اليوم التالي للانتخابات.

هناك من يعلن أنه سيعمل على إنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية تنتج 400 ميغاواط، وسيعمل على تنفيذ مشاريع استثمارية وتنموية وإغاثية مستدامة تنعش سكان القطاع، وهناك من يعلن اتفاقية لتزويد محطة الكهرباء بالغاز الطبيعي لزيادة قدرتها الإنتاجية.

أضف إلى هذا وذاك مذكرة التفاهم التي وقعتها السلطة الفلسطينية مع مصر، وتقوم فيها الأخيرة باستخراج الغاز الطبيعي من حقلي مارينا 1 ومارينا 2 في عمق بحر غزة وتسييله لمصلحة السلطة، ما يعني عوائد بمليارات الدولارات سنويًّا تذهب إلى خزينة السلطة التي لم تعلن بعد تفاصيل هذه الصفقة، أو طبيعتها، وهو ما دفع حركة حماس للمطالبة بتحقيق الشفافية في هذه القضية.

إن ما يتردد في هذه الأيام من تصريحات وإعلانات متلاحقة عن المستقبل الاقتصادي لغزة يجعل أبناء غزة بين خيارين: منهم مصدق لهذه الأخبار وينتظر بشغف إجراء الانتخابات، والفريق الثاني -وهم الغالبية- غير مصدقين مستندين إلى الانتخابات السابقة التي أطلقت فيها الوعود تلو الوعود، ورسمت أحلامًا وردية للفلسطينيين سرعان ما تحطمت على صخرة عدم اعتراف فريق أوسلو بشرعية الانتخابات، وأيضًا الحصار الخانق الذي فرضه الاحتلال، وحروبه الثلاثة التي شنها على شعبنا في غزة وأحرق فيها الأخضر واليابس.

لعل هذه الجعجعة التي نسمعها في هذه الأيام تذكرنا بما سمعناه قبل عشرين عامًا عندما وقعت منظمة التحرير اتفاق أوسلو مع دولة الاحتلال، وما تلاه من اتفاقات خلقت بيئة مشجعة لأصحاب رؤوس الأموال على القدوم إلى غزة، وتنفيذ سلسلة من المشاريع الفلسطينية والمناطق الصناعية، بحيث أصبحت المنتجات الفلسطينية تحل محل الإسرائيلية، وتدفقت الأموال من الدول المانحة، وخيل لبعضٍ أن غزة ستتحول إلى سنغافورة الشرق الأوسط.

كان بمقدور سلطة أوسلو أن تغير الواقع الاقتصادي وتحول غزة إلى أكثر من سنغافورة، لكن المستثمرون وأصحاب المشاريع الإستراتيجية وجدوا أنفسهم أمام حفنة من المسؤولين الفاسدين، الذين أرادوا تقاسم المشاريع معهم، وبالتالي تقاسم الأرباح وكل شيء، دون أن يدفعوا شيئاً، وكانت التهمة جاهزة، إن لم يقبلوا.

كان لتدخل الفاسدين من قادة الأجهزة الأمنية ورموز السلطة في عمل القطاع الخاص أثره السلبي على الاقتصاد الفلسطيني، وأغلقت العديد من المصانع والشركات أبوابها، في حين آثر بعض المستثمرين العدول عن بعض المشاريع.

ولعل القشة التي قصمت ظهر بعير الاقتصاد الفلسطيني هي شن الاحتلال حربًا بلا هوادة على الصناعة الفلسطينية التي نافست الصناعات الإسرائيلية، بمنع استيراد المواد الخام ومنع تصدير المنتجات إلى الخارج، انتهاء بتدمير العديد من المصانع باستهدافها بالقصف المتعمد، حتى إن محطة توليد الطاقة لم تسلم من التدمير الممنهج.

لم يقتصر فساد رموز السلطة على ملاحقتهم أصحاب المشاريع وتدخلهم السافر في عمل القطاع الخاص، بل أيضًا أنشؤوا هيئات كانت بمنزلة شركات ربحية أصبحت تدر دخلًا كبيرًا على القائمين عليها دون حسيب أو رقيب، فقد أنشئت هيئة البترول الفلسطينية في عام 1994 بصفتها المورد المحتكر للمنتجات البترولية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وربطت الهيئة بمكتب الرئيس، وكانت تعمل دون إطار تنظيمي/ قانوني في عملياتها الإدارية والمالية، ولم تخضع

لمراجعة محاسبية خارجية أو إشراف خارجي، ولم تكن خاضعة للمراقبة أو الكشف عن تفاصيلها.
ولا ننسى في هذا المجال اتفاقية الغاز التي وقعتها السلطة مطلع عام 2015 مع دولة الاحتلال، التي بموجبها تستورد السلطة على مدار 20 عامًا 4.75 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى الأراضي الفلسطينية بقيمة تتجاوز تكلفتها 1.2 مليار دولار، رغم الحديث عن وجود الغاز الفلسطيني في عرض بحر قطاع غزة بكميات تفوق أضعاف الكمية التي ستستورد.

أضف إلى ذلك إنشاء شركات وهيئات أخرى كهيئة التبغ وشركة البحر والأسمنت وغيرها، قادها مسؤولون في السلطة، احتكرت العديد من السلع، بحيث أصبحت مدخولاتهم وأرصدتهم في البنوك بأرقام فلكية مع غياب الرقابة والمحاسبة والمساءلة، ما جعل شركات القطاع الخاص عرضة لاحتكاراتهم وتدخلاتهم.

وفي هذا الواقع المرير مع إجراءات الاحتلال الممنهجة لتدمير الاقتصاد الفلسطيني الناشئ خابت آمال الفلسطينيين في اقتصاد مزدهر، وساءت أحوالهم، وهرب معظم المستثمرين بلا رجعة، ولم نرَ سنغافورة ولا ما يحزنون، لم نرَ إلا فساد وتحكم الأجهزة الأمنية بالمقدرات الاقتصادية للقطاع، إلى أن انهار النظام الإداري للسلطة في غزة انهيارًا تامًّا، وترك القطاع لتديره حركة حماس.

السيناريو نفسه يتكرر هذه الأيام بوعود جديدة من وجوه قديمة كانت تتصدر المشهد الفلسطيني إبان مدة حكم السلطة لقطاع غزة، فهل سيتحقق ما يعدون به؟ وهل سيشعر المواطن الغزي المسكون بالألم والمعاناة بالتغيير؟ أم أنها مجرد وعود براقة لكسب أصوات الناخبين مثلما شهدنا عشية انتخابات 2006؟ هذا ما ستنبئنا به الشهور المقبلة، ولكل حادث حديث.

المصدر / سمير حمتو