بحر غزة "يكافئ" صياديه بعد "صبرهم الطويل"

...
غزة- مريم الشوبكي:

بين كومة من شباك "الملطش" تربع الصياد زياد جربوع على رصيف ميناء غزة وهو يلبس "أفرهول" جلديًّا أسود، ممسكًا بصنارة يلف عليها خيطًا أخضر حريريًّا، يغزل ما تقطع من الشباك، ومقابله جلس ابنه يقوم بالفعل ذاته، وهي استراحة تفقدية لتصليح الأعطال بعد يومين من الصيد في المنخفض الماضي.

مع ساعات الصباح الباكر غادر زياد البحر على متن مركبه الصغير، وأفرغ حمولته من سمك السردين وباعها في المزاد اليومي الذي يقام في الميناء، ثم ربط مراكبه الثلاثة بأحبال مثبتة في الرصيف.

كان العديد من الصيادين على رصيف الميناء يغزلون شباكهم، وآخرون يرصون صناديق فارغة في سيارة "نصف نقل" بعد صيد وفير جاء أعقاب منخفض قطبي حمل الخير لهم، وآخرون يأخذون قسطًا من الراحة يستمدون بعض الدفء من أشعة الشمس التي كانت ترمي بخيوطها الذهبية على مياه البحر وتمنحها بريقًا خلابًا.

الصياد زياد (53 عامًا) ورث حرفة الصيد عن أبيه وأجداده، فهو ابن البحر منذ أن كان في سن 10 أعوام، وورثها لأبنائه أيضًا.

الأربعاء الماضي ضرب منخفض قطبي فلسطين، كان عاصفًا محملًا بكميات كبيرة من الأمطار والبرد، واستمر حتى ساعات مساء يوم الجمعة، ووفقًا لإفادة الإدارة العامة للثروة السمكية في وزارة الزراعة، بلغت كميات الصيد في مرافئ قطاع غزة الخمسة 65 طنًّا من الأسماك المتنوعة، منها 31 طن سردينة، و32 طن "طرخونة"، وطن كنعن، وطن فتال، ويقدر عدد الصيادين في قطاع غزة بنحو 3800.

ويعاني هؤلاء الصيادون سياسات الاحتلال الذي طالما لاحقهم في عرض البحر، وأصاب بعضهم بالرصاص الحي، واعتقل آخرين، ورغم ادعاءاته إلغاء تقليص مساحات الصيد أحيانًا لا يتمكن الصيادون فعليًّا من ممارسة مهنتهم إلا في نطاق ضيق.

"انتظار طوال فصل الشتاء"

كان زياد وجميع الصيادين يتابعون الأرصاد الجوية على أحر من الجمر، لأن المنخفضات تعني لهم صيدًا ثمينًا، لأن البحر يأتي محملًا بالأسماك التي ينتظرونها طوال فصل الشتاء الحالي، الذي كان خجولًا بالمنخفضات والأجواء الباردة، كما يصفونه.

أبلغ زياد ورفاقه بإغلاق البحر أمام حركة الصيد تحسبًا من أي مخاطر في أثناء المنخفض، فأخذ احتياطات وثبت مراكبه الثلاث فوق رصيف الميناء، وسحب شباكه وأخذ ما يحتاج منها لغزلها في البيت ليصلحها في يومي الأربعاء والخميس.

يقول زياد لصحيفة "فلسطين": "فتح البحر أمامنا في السادسة صباحًا من يوم الجمعة، كان المنخفض قد هدأ، وعلى الفور أبحرت بشباكي رغم البرد القارس، وأكثر ما ساهم في غزارة الأسماك هبوب الرياح من جهة الجنوب نحو الغرب، التي دفعت الأسماك معها باتجاهنا".

ويضيف: "قبل المنخفض كانت كميات الأسماك قليلة، وأكثرها من البذرة، وهي سمك السردين الصغير، الذي لا يستفيد منه الصياد لأنه يباع بسعر زهيد في الأسواق".

ويبين زياد أن الصيد أربعة مواسم في العام، وفي كل موسم يستعد الصياد لمدة صيد معينة، ويستخدم فيها نوعية شباك معينة أيضًا حسب كل "حسكة".

ويوضح أن كل صياد يحضر شباكه حسب الأسماك التي يتوقع اصطيادها: السردين، أو اللوكس، أو القرش، أو الغزلان، أو الطرخونة.

ويقدر زياد كمية الأسماك التي اصطادها في يومي الجمعة والسبت بنحو 150 كيلوجرامًا من السردين.

أما محمد أبو ريالة فقد صاحب البحر منذ أن كان في الـ12 من عمره، خبره وفهمه، إذ يقول: "إن وقت المنخفضات هو الأفضل، وينتظره الصياد بصبر نافد طوال الشتاء".

ويرى محمد في حديثه إلى صحيفة "فلسطين" أن يومي الصيد في المنخفض عوضاه عن موسم الصيد الفائت كله، لأنهما جاءا محملين بالخيرات بعد مدة ركود طويلة عاشوها.

ويوضح أن شباط (فبراير) وآذار (مارس) هما موسم السردين، وهو الموسم الغزير الذي ينتظره الصياد طوال العام.

وعن الشباك المناسبة التي استخدمها لموسم الصيد الحالي يذكر محمد أن هناك الكثير من الأنواع، منها "الملطش" لصيد السردين، و"الشنشولة"، و"عين تسعة" لسمك الغزلان والطرخون.