ثقافة المراسيم العباسية

شهدت فترة ولاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس اعتداءً واضحًا على كل مؤسسات الشعب الفلسطيني حتى أصبح الرجل (الحديدي) الذي يمسك بالسلطات الثلاث "التشريعية والتنفيذية والقضائية"، هذا إضافة للسيطرة على المؤسسات التمثيلية الأخرى وعلى رأسها منظمة التحرير، في إطار تدعيم سلطاته وتقوية نفوذه بما يحصنه من أدوار الرقابة والمساءلة ويحقق أهدافه الخاصة للبقاء أطول مدة في السلطة في ظل انتهاء ولايته.

وقد شهدت مرحلة الانقسام قرارات بقانون استهدفت القوانين "بالإلغاء أو التعديل"، وازديادًا في الآونة الأخيرة حتى وصلنا للقرار بقانون عام 2021 والخاص بالحريات العامة.

الأمر الذي يثير عدة تساؤلات: ما مشروعية هذه القرارات؟ وأثرها في القوانين ودلالاتها وانعكاساتها السياسية؟ وما ضرورة إصدار مرسوم جديد؟ وما مصير هذه القرارات مستقبلًا؟

مشروعية القرارات

أورد القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 في المادة "43" أنه يحق لرئيس السلطة إصدار قرارات لها قوة القانون، لكنه جعلها مشروطة ومقيدة بحيث وضح الحالة التي يمكن أن تدفع لاتخاذ مثل تلك القرارات، وكان ضمن الشروط أن يكون ذلك في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير، وفي غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، ومن ثم عد رئيس السلطة أن الظروف التي تمر بها الحالة الفلسطينية طارئة تستوجب هذه القرارات، الأمر الذي دفعه لإصدار جملة منها.

الأثر في القوانين

القرارات بقانون رتبت آثارًا كارثية مباشرة على القوانين يمكن إجمالها في:

1- إلغاء كثير من القوانين ليحل محلها القرارات بقانون وكان منها القانون رقم (9) لسنة 2005 الخاص بالانتخابات والذي تم إلغاؤه وحل محله القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 وتعديلاته لعام 2021.

2- إجراء تعديلات جوهرية بما يكرس من سلطة الرئيس ويحجب كثيرًا من فرص الرقابة والمساءلة ويضيق الفرصة على خصومه السياسيين في الساحة الفلسطينية مثل التعديلات على قانون المحكمة الدستورية رقم (3) لسنة 2006م.

الانعكاسات والدلالات السياسية

أولًا- هذه القرارات خلقت واقعًا صعبًا وكارثيًّا انعكس على الحياة السياسية وأصبحت الأمور أكثر تعقيدًا، إذ زادت حدة الخلاف ورفعت مستوى التجاذبات وجلبت مواقف رافضة ومنددة، لقناعة الفرقاء السياسيين أن عباس يتفرد بالقرار والتشريع بغرض الإطاحة بخصومه وتعزيز سلطته وتمكين حزبه.

ثانيًا- مثلت القرارات بقانون خريطة طريق لرسم سياسات التفرد والإقصاء وتكريس حكم الفرد على حساب المؤسسة والمجموع الوطني، وهدمت الخطوات الرامية لبناء دولة المؤسسات التي يسودها النظام والقانون ويحترم فيها القرار السياسي.

ثالثًا- أراد الرئيس عباس الالتفاف الواضح على الصلاحيات المحدودة التي أتيحت له في ظرف الضرورة أو الطوارئ، وتوسع في ذلك بشكل غير منطقي، بحيث لم يتوقف عن إصدار المراسيم في كل المجالات التي كانت قرارات بقانون، إذ إن جزءًا منها لم يكُن هناك أي أسباب وطنية أو قانونية للتعديل أو الإلغاء سوى الرغبة في السطوة على القانون وتطويعه لأغراض سياسية.

ضرورات المرسوم الجديد

لا أعتقد أن هناك حاجة لإصدار مرسوم جديد، فالقانون الأساسي تناول الحقوق والحريات في "الباب الثاني" من المواد (9 وحتى المادة 20) بشكل أكثر تفصيلًا، وكان ذلك شاملًا وكافيًا لحفظ الحقوق وتوفير وضمان كل الحريات، لكن في ظل حقبة عباس أصبح اللجوء إلى حزمة المراسيم أمرًا واردًا في أي وقت، فهو يصدر المرسوم ثم يلجأ لاحقًا لتعديله أيضًا، دونما اعتبار لمصلحة وطنية أو لقوانين وتشريعات سابقة.

مصير القرارات بقانون

يجب عرض القرارات بقانون على المجلس التشريعي في أول جلسة ينعقد فيها المجلس التشريعي بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، وفي حال عرضت ولم تقر زال ما يكون لها من قوة القانون، وهذا ما خالفه الرئيس عباس حيث تجاهل المجلس التشريعي تمامًا وتصرف مع ما نص عليه القانون الأساسي بانتقائية في الفترة الأولى، ثم قام بحل المجلس التشريعي بناء على قرار المحكمة الدستورية والتي شكلت بصورة غير قانونية أصلا.

وهذا بدوره لا يعطي أي شرعية لممارسات الرئيس عباس ويمكن أن تعرض كل المراسيم الرئاسية التي حملت قرارات بقانون طوال فترة الانقسام على المجلس التشريعي القادم أيضا لينظر فيها ما بين الإقرار والالغاء.

وختامًا فإن الرئيس عباس مطالب الآن بوقف إصدار المراسيم المشابهة لما لها من تداعيات تهدد الاستقرار التشريعي والقانوني وتخلق إشكالات مستقبلية يحتاج علاجها لجهود كبيرة ويمكن أن تكون سببًا في انقسام شديد في المشهد الفلسطيني حال محاولات إلغائها أو تعديلها في ظل مجلس قادم قد يكون أكثر تنوعًا في مرجعياته الحزبية والسياسية.

وفي ذات الوقت مطالب بالرجوع للقانون الأساسي والتصرف في ضوئه واحترام كل ما جاء فيه وعدم التعدي على القوانين بأي صورة، لأن ذلك يضر بالحالة الوطنية، ويمكنه فقد الدعوة لاحترام الحقوق والحريات في ضوء القانون، وإلزام الجهات الأمنية ذلك بتوجيهات مباشرة تفرض فيها المحاسبة تجاه أي تعدٍّ، على أن يستمر ذلك لما بعد الانتخابات وإلا يتم في ضوء الدعاية فقط، لأنه لا يصح الانتقاص من هذه الحقوق بأي صورة وتحت أي ظرف كان.