ما تتجاوزه المراسيم

أصدر الرئيس عباس أول من أمس مرسومه القاضي بإطلاق الحريات العامة، تمهيدًا لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، التي ستبدأ بعد ثلاثة أشهر، وتضَّمن المرسوم تفصيلات تقضي بإطلاق سراح سجناء الرأي، وحظر الملاحقة على خلفية الانتماء السياسي، وتوفير الحرية الكاملة للدعاية الانتخابية بجميع أشكالها.

بداية، لا شك أن أي انفراجة إيجابية في المشهد الميداني هي محل ترحيب، ومثلها كل خطوة تراجع عن سياسات تكميم الأفواه وحظر النشاط الوطني والتنظيمي، وهي سياسات عانتها الضفة الغربية تحديدًا على مدار أربعة عشر عاما، وما تزال آثارها الكارثية ماثلة حتى اللحظة، لا سيما أنه توجد جهة أخرى هي الاحتلال، كانت تمارس بالتوازي سياساتها القمعية ضد الجهات الوطنية نفسها التي تستهدفها السلطة، بالاعتقال والملاحقة ومصادرة الممتلكات وحظر جميع أشكال النشاط التنظيمي، سواء أكان وطنيًّا أم سياسيًّا أم نقابيًّا أم إغاثيًّا أم إعلاميًّا.

غير أن مرسوم الحريات الأخير يبدو إجراءً شكليًّا أكثر منه خطوة عملية لتصحيح المسار، فضلًا عن كونه يثبت وجود حق للجمهور كان مسلوبًا ومغيّبًا على مدى سنوات طويلة، كما أنه يصطدم بمعطيات صعبة على الأرض، ويتجاوز أخرى، بحيث يبدو أنه مجرد إعلان إعلامي، جاء نتيجة للتوافقات الأخيرة المتعلقة بالانتخابات المزمع إجراؤها ابتداء من أيار المقبل.

وفي الوقت الذي كان منتظرًا أن يصدر مثل هذا الإعلان منذ تموز الماضي، أي منذ بدأت اللقاءات المشتركة بين حركتي حماس وفتح، وتم عقد المؤتمر المشترك بين العاروري والرجوب، في إطار التحضير لمواجهة خطة الضم وقتها، أو على الأقل بعد مؤتمر الأمناء العامين للفصائل في أيلول، نجد أن إصدار المرسوم تأخر حتى جاء تاليًا لجميع التوافقات، وكأنه مشروط بإجراء الانتخابات أو النشاط المتعلق بها، أي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة فقط، ذلك أن ما سيحصل بعدها ليس معروفًا وليس ممكنًا التكهن به في ظل هواجس التجارب السابقة، وما يكتنف التجربة الحالية من تحديات.

حين نتحدث عن حريات عامة، في التعبير والجهر بالانتماء وممارسة النشاط التنظيمي بمختلف أشكاله، فنحن نتحدث عن أجواء ملموسة، وليس فقط قرارات آلية، وهذه الأجواء تتحصل مع الوقت، ومع اختبار صدق الإعلان عبر نشاطات ميدانية واضحة، جماهيرية وسياسية وطلابية ودعوية، وغير ذلك، ولسنا ندري إن كان ذلك قابلًا للاختبار في غضون ثلاثة أشهر فقط، ستتضمن تلقائيًا دعاية انتخابية، وفيها شهر رمضان، وفي ظل القيود التي فرضتها جائحة كورونا أصلًا!

لذلك كلّه، كان مطلوبًا أن تتهيأ الأجواء على الأرض وأن تختبر النيّات ضمن مدة زمنية كافية، وغير مضغوطة، ذلك أنه من الوهم الافتراض أن آثار أربعة عشر عامًا من السياسات الاستئصالية، ومن إفرازاتها على المكتوين بنارها مباشرة، وعلى عموم الجمهور المتابع، يمكن أن يعالجها مرسوم، وفي مدة قصيرة للغاية، تسبق إجراء الانتخابات، مع كل ما يتطلبه العمل لها من نشاط منظم واسع، وقبل ذلك الحاجة إلى أن يستعيد الناس ثقتهم بأشياء وقضايا كثيرة، منها جدية السلطة في توجهها للمصالحة، وفي الكف عن سياساتها القمعية، وثقتهم بجدوى وأهمية العملية الانتخابية برمّتها، وهذا الوقت القصير والمضغوط الذي يسبق الانتخابات لن يكون كافيًا لذلك كلّه، إلا إن كان المطلوب الاستفادة من العامل السلبي للوقت لصالح جهة دون أخرى، وعدم تمكين الجهات المنافسة لحركة فتح والسلطة من التعافي والاستعداد، ولو بالحدود الدنيا لذلك.

السياسات القمعية والاستئصالية التي عانتها الضفة الغربية على مدى أكثر من عقد من الزمن لا تتعلق فقط بحرية الرأي والتعبير، هذه إحدى تجليات المأساة فقط، إن الذي جرى كان تجريفًا لواقع كامل، بتعطيل مختلف أشكال العمل التنظيمي والوطني، وإغلاق مؤسسات كاملة أو الهيمنة عليها، وفصل كثير من الموظفين على خلفية انتمائهم السياسي، وتخريب المساجد وتحييدها عن التأثير في المجتمع، ومحاولة العبث بوعي الناس وتيئيسهم، وفرض سطوة أمنية على مختلف النقابات والجامعات والمدارس، فضلًا عن ملاحقة العمل المقاوم، ومصادرة أموال الأسرى والشهداء بحجة دعم الإرهاب أو التنظيمات المحظورة.

ثم يوجد عامل الاحتلال، الذي كان داعمًا لهذه السياسات ومساهمًا في تنفيذها وتطويرها ونقلها من مستوى إلى آخر، لتغدو أكثر فتكًا وتأثيرًا؛ ما أفرز تجريفًا كاملًا للبيئة الوطنية في الضفة الغربية، في حين ظلَّت نخبة قليلة من المضحين تحمل رسالة الواجب في ظروف قاهرة، وتتحدى ما يعترضها من عقبات، وتدفع أثمانًا عالية من جراء ذلك، لكنها أيضًا فقدت ثقتها بإمكانية التغيير الإيجابي التلقائي في سياسات السلطة، من خلال ما عاينته عبر تجاربها خلال السنوات الماضية.

ومع الأمل بأن تُحدِث التطورات الأخيرة تغيرًا ملموسًا في المشهد، ومع القناعة بأن تغليب الإيجابية مطلوب ومهم وضروري، وخاصة لرواد مشروع المقاومة والتحرر، إلا أنه لا يمكن انتظار إنجازات مبهرة في زمن قصير، وقبل أن تُختبر جدية كثير من النيّات من خلال الممارسة والفعل، وليس الكلام المرسل والمرسوم في قرارات رئاسية.