طالب التوجيهي سبق زملاءه في الحصول على الشهادة

عطا الله ريان .. عابر طريق توقفت حياته عند "حاجز الموت"

...
الشهيد عطا الله ريان (أرشيف)
سلفيت-غزة/ يحيى اليعقوبي:

عطا الله ريان الذي أنهى تقديم امتحان "التكنولوجيا" وضع أولى خطواته على خط المشاة، يشع نور وجهه في بقعة الظلام تلك، في المشهد عينان تنظران إلى الحياة وإلى الفضاء الواسع، يحمل حلمه على كتفه وفي قلبه، تلمع منه نظرة مترعة بالأمل، تتوهج منه ابتسامة مشرقة وضحكة بيضاء صافية مثل سماء في يوم معتدل، يتغنى للحياة، لكن على الطرف الآخر كان هناك من يجهز كفن الموت له.

ريان (17 عامًا) من بلدة قراوة بني حسان غرب سلفيت، الطالب في الثانوية العامة، سقط حلمه بأن يصبح شرطيًّا بعد إصابته برصاص جنود جيش الاحتلال على مفرق حارث الذي يربط محافظات: سلفيت ونابلس ورام الله، هناك جنود الاحتلال دائمًا مستعدون لإطلاق النار على الفلسطيني لمجرد مروره من جانب نقطة عسكرية أو قرب جنود منتشرين على مفارق الطرق في الضفة الغربية، ما فعلوه مع عطا الله سبق فعله مرارًا مع عشرات الشهداء الذين قضوا بدم بارد في المكان نفسه.

"الساعة السابعة والنصف ذهب وقدم امتحان مادة التكنولوجيا للفصل الدراسي الأول، وذهبت إلى العمل، وحينما عاد للبيت درس لامتحان اليوم الثاني، وأخبر أمه أنه قدم الامتحان جيدًا، ثم غادر المنزل الساعة الحادية عشرة صباحًا، قادمًا للورشة (تختص بصناعة الرخام) لمساعدتي، وهو يفعل ذلك منذ مدة طويلة ونعود معًا للبيت عصرًا" يقول والده محمد ريان لصحيفة "فلسطين".

خط المشاة

أنزلت سيارة أجرة الشاب ريان (كما أخبر والده شاهد عيان) على الجهة اليمنى من الشارع، ويجب عليه أن يجتاز خط المشاة ليستقل سيارة أخرى لنابلس، وما إن بدأت الإشارة الضوئية للمفرق تنبه بفتح الإشارة الحمراء حتى أسرع في خطواته، ليقابله الجنود برصاصات أطلقوها عليه ليسقط أرضًا مضرجًا بدمائه وانهالوا عليه بعدها بالضرب، فتى لم يحمل سوى حلمه سالت دماؤه على الأرض، وطارت روحه برصاصة سرقت حلمه وسلبت الفرح من حياة عائلته.

"وين عطا الله؟! وين تلفونه؟!" ضابط المخابرات كسر حاجز الصمت بسؤاله لحظة اقتحام خمس دوريات للاحتلال بلدة قراوة بني حسان بعد ساعات من الجريمة، ووصلوا إلى منزله، فكان الحوار محتدمًا بين والد الشهيد الذي لم يتفوه بأكثر من "بعرفش" والضابط.

كلمة كانت كفيلة بإخراج الضابط من هدوئه: "اسمع إنت بتلعب مع المخابرات الإسرائيلية، هاي اللعبة بتكلفك كتير".

- قد ما بدها تكلف ما بتغني عن الوطن - إنت بتعرف إنك بدك تموت من الجوع - أموت؛ ههه ليش؟! - حتبطل تفوت على (إسرائيل)؛ ابنك حاول يطعن مجندة وقتلنالك إياه.

"لو معي تصريح كان مزعته قدامك لأنه مش أغلى من ابني".

يحاول الضابط استدراجه: "طيب وين وصيته؟".

ما زالت نظرات الغضب تستعر بعيون والد الشهيد: "لأنكم قتلتوه بدم بارد، عشان هيك فش وصية"، لينتهي الحوار مع تهديد من الضابط الإسرائيلي بهدم البيت ووضعه في الزنازين أو اعتقال نجله الآخر، تهديدات ألقى بها والد الشهيد في سلة المهملات: "البيت ليس أغلى من ابني، والزنازين ستزيدني قوة".

حلم لم يكتمل

على جدران غرفته علقت ميدالية ذهبية لماراثون ركض نظمته بلدية "سلفيت" كان من الفائزين فيه، وصور له على مرتفعات جبل "النار" فيها تظهر ابتسامة منه تضاهي جمال الشمس، عزف للحياة على الآلة الموسيقية التي طوقها بذراعيها في إحدى الصور، وصعد على ظهر خيل في أخرى، فتى يحب الحياة لم يكتمل حلمه.

"منذ ثلاثة أعوام يساعدني بعدما يعود للبيت ويأتي الورشة، في السنة الأخيرة كان يترك هاتفه في البيت لتركيزه الكبير في الثانوية العامة" مواقف عديدة يستحضرها والده، لكن ظلت هذه الذكرى عالقة: "في شهر آذار (مارس) 2020م، مع موجة جائحة كورونا الأولى، مكثنا في الورشة مدة شهرين، نجهز أعمالًا وصلت إلينا قبل الجائحة".

دغدغ الموقف مشاعره: "كنا نستيقظ باكرًا، نعد الإفطار معًا، عاملته كصديق وليس ابنًا، ثم نجهز الأعمال"، تنهد زافرًا ألمًا يعتل قلبه: "كانت مدة لا تنسى، وأمضينا معًا وقتًا من أجمل أيام حياتي (...) بنيت عليه آمالًا كبيرة أن يكبر ويريحني ويتسلم العمل بعدي، ويقود إخوته (أربعة ذكور وبنتين) ونعيش فرحتنا الأولى بالتوجيهي".

غاب صوته بين براثن الحزن برهة قبل أن تسحبه أحباله الصوتية: "الاحتلال حرمني منه، حتى حرمني إلقاء نظرة الوداع عليه باحتجاز جثمانه".

لم يجد ما يضمد جراح قلبه في الليلة الأولى لفراق نجله عطا الله الذي استشهد الثلاثاء الماضي، وهو يصبر زوجته وباقي أبنائه محاولًا إخراجهم من حالة الانهيار والصدمة، ثم ذهب إلى غرفة ابنه ونام على سريره يشيع أحزانه.

أمسك الأب آخر قميص ارتداه ابنه، ضمه إلى صدره كأنه يحتضن فلذة كبده وقربه من فمه ساحبًا شهقة طويلة يشتم رائحته التي ما زالت عالقة به، ينظر إلى مكتبته وكتبه التي كان يغفو عليها واعدًا العائلة بفرحة وشهادة تفوقه، تساقطت الدموع خلسة بسهولة من عيني الوالد على قميص نجله البكر الذي خطف منه بلمح البصر.

المصدر / فلسطين أون لاين