مراكب التطبيع مراكب المقاومة

انطلقت الزغاريد بعد تغريدة الرئيس الأمريكي السابق، ترامب، في موضوع رسالة اعتراف بلاده بمغربية الصحراء، مقابل قبول المغرب صعود مَرْكَب التطبيع مع "إسرائيل". تَمَّت المسألة في سياق الشروط العامة لخيارٍ يتجه لإتمام ما تَمَّ ترتيبه تحت شعار صفقة القرن، التي تكشف بنودها، بصورة واضحة ومُعلنة، تصفية المشروع الوطني التحرّري الفلسطيني، وفي أبسط الأحوال دفعه مؤقتًا إلى مزيد من مراجعة خياراته السياسية. مقابل ذلك، أصدر رافضون معاهدات التطبيع، الموقعة أخيرًا، مؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية، بياناتٍ مُنَدِّدة بالمُطبِّعين في الخليج والسودان والمغرب، وتطالب بضرورة مواصلة مقاطعة "إسرائيل" ومقاومة غطرستها وعنصريتها وعدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني.

وبالركوب المُعْلَن للمغرب في مراكب التطبيع مع الصهيونية، تكون "إسرائيل قد أحكمت الطوق على أغلب البلدان العربية، في الخليج وفي المشرق والمغرب العربيين. وعلى الرغم من خطورة ما أقدمت عليه الأنظمة المطبعة في الأشهر الأخيرة من سنة 2020، فإننا نلاحظ بروز ظواهر جديدة تمنح ما حصل مزايا وخصوصيات، وتقيم تمييزًا بين مطبِّعي القرن الماضي، مصر والأردن، والمطبِّعين الجُدد، وكذا الذين ينتظرون حصول المناسبة التي تُعَجِّل بصعودهم أسطُح المراكب التي تحمل المطبِّعين .. ظواهر تمنح مزايا للتطبيع الخليجي والمغربي، بالصورة التي تساعد في عمليات تمرير ما سينتجه التطبيع الجديد من تحوُّلاتٍ في موضوع القضية الفلسطينية، وموضوع التغلغل الأميركي الإسرائيلي في العالم العربي.

دعنا من المقايضة التي حصلت في المعاهدة المغربية، بحكم أن سياق مغربية الصحراء يختلف كليًّا عن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي رتَّب مجموع خطواته الغرب الإمبريالي في بدايات القرن العشرين، بحثًا عن حلّ للمسألة اليهودية.

دعنا أيضًا، من الحديث عن السلام والازدهار في الأرض المحتلة في فلسطين، وفي المشرق العربي، ومختلف الشعارات التي تحملها صفقات التطبيع واتفاقاته، فلا أحد يعرف عن أي سلام يتحدّث المحدثون، في ظل مواصلة "إسرائيل" سياستها العدوانية العنصرية بدعم أميركي على شعب أعزل. الأمر المؤكد في المواثيق المعلنة هو التخلي عن المشروع الوطني الفلسطيني في التحرّر والتحرير.

لنقترب من سردية التطبيع في جميع أوجُهها.. سنجد أنفسنا أمام أمرٍ حصل ويحصل في سياق حروبٍ وهزائم، وتؤطّره اليوم أوضاع عربية تنعدم فيها الشروط التضامنية الدنيا التي كانت تصدِرها مؤتمرات جامعة الدول العربية، ومؤسسات التعاون الإقليمية العربية وأغلبها اليوم معطل. أما من يشتغل منها موسمياً فقد ألغى من جدول أعماله أسئلة الراهن العربي، ومآلات القضية الفلسطينية. دخلنا اليوم زمن التباهي بالتطبيع، وأصبح المحتلّ عنواناً يمتلك الكفاءات التي تجعلنا نتجنّب مخاطر الغزاة الآخرين، تحوّل الصهاينة خبراء في السياحة والتطبيب والمخابرات، وتقنيات حراسة الحدود والفضاءات .. أحكموا خناقهم على جنين الحكم الذاتي في غزة، وتطمع البحرين والإمارات أن تتكفل "إسرائيل"، بتنسيق مع حليفها الأكبر الولايات المتحدة الأميركية، بحمايتهم من إيران.

تنتعش اليوم سردية التطبيع في إطار شروطٍ شاركت فيها القِوَى العظمى الداعِمة لـ"إسرائيل" التي وضعت الخطط المرتبطة بتصوّرات محدّدة لِبُؤَر الصراع الدائرة في العالم العربي، بعد ثورات الربيع المحاصَرة، وأمام التداعيات التي لحقت القضية الفلسطينية منذ بداية مسلسل السلام المرتَّب ضمن بنود اتفاق أوسلو (1993) وإجراءاته.

نتصوَّر أن التحولات السريعة التي تؤشر اليوم عليها آليات التطبيع الجارية تضعنا أمام أسئلة جديدة في موضوع مآلات القضية الفلسطينية. لنتابع كيف تجري اليوم عمليات تمرير آليات التطبيع الجارية، فقد انتبه المغاربة الذين استأنسوا بزيارة مواقع التواصل الاجتماعي إلى هجوم جيوش من الصور واﻟﭬﻳﺩيوهات والأغاني والحكايات، المرتبطة بأحوال اليهود المغاربة، وأغلبها مفبركٌ ومُرتَّب لتوجيه موقف المغرب التطبيعي وجهة تقلّل من خطورة ما حصل على القضية الفلسطينية، مع مَيْل إلى إبراز خصوصية الموقف المغربي من "إسرائيل"، ومن خياراتها الصهيونية.
تَمَّ ربط التطبيع المغربي بأمرين. يرتبط أولهما بانفتاح المغرب على اليهود المغاربة. ويقضي الثاني بضرورة استكمال المفاوضات مع الفلسطينيين، في ضوء حل الدولتين والحفاظ، من جهة ثانية، على الطابع الإسلامي للقدس. وعندما كَثُر الحديث عن اليهود المغاربة تذكّرت منهم الذين أعلنوا بصوتٍ مرتفعٍ عداءهم الصهيونية وكيانها الاستعماري في فلسطين، من قَبِيل أبراهام السرفاتي وإدموند عمران المليح وسيون أسيدون. أما اليهود المغاربة في الحكومة الإسرائيلية فلم تَعُد لهم صلة بالمغرب، بعد أن انخرطوا في اليمين الصهيوني العنصري المغتصب أرض الشعب العربي الفلسطيني وتاريخه وثقافته.

توقف الساسة والمثقفون، الطلائعيون المؤمنون بعدالة القضية، عن التفكير في مآلات المشروع الوطني الفلسطيني، خارج التخندقات التي رسمتها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنوات، إلا أن القضية ما تزال قائمة، وهي قضية شعبٍ وتاريخٍ وحروبٍ ومعاهدات، تطبيعٌ ومقاومة عَمَّرَت قرنًا كاملًا بحسابات وَعْد التأسيس سنة 1917. وهي تحتاج اليوم إلى جدل سياسي جديد، مكافئٍ لمختلف تجليات المأزق المركَّب الذي يعرفه واقع القضية اليوم، وتعرفه مظاهر التمزّق والتخندق السائدة في المشرق العربي، جدل يناسب التحولات الفلسطينية والعربية، تحوُّلات ما بعد الثورات العربية والثورات المضادَّة، إضافة إلى التحولات التي تعرفها القِوى الإقليمية والدولية في المشرق العربي، وقد انخرطت جميعُها في لعبة المصالح. نقول هذا، لعلنا نفتح أعيُننا على ما يجري، حتى لا يزداد المأزق ضيقًا، ويتحول الذهول السائد اليوم إلى حالة قارة.

حملت مراكب التطبيع الأعلام والأحلام، تصافحت فيها الأيدي، واستمع الجميع لزغاريد الانصياع لإرادة الهيمنة، الرامية إلى طمس تاريخ وتضحيات وأرض ووطن وشتات. وحملت مراكب المقاومة شعارات الحاضر والمستقبل، مواصلة المواجهة والمجابهة في ظل شروط سياسة وصحية غير مناسبة، لكنها لا تمنع من احتضان الشرارات القابلة لصناعة المستحيل، أي صناعة الجمر ومواصلة التغني بالظفر والعودة، والاحتفال بأغاني النصر القريب والبعيد .. تتمايل المراكب في قلب محيط معقدٍ ومتلاطمِ الموج، محيطٍ تملأه الحيتان الأسطورية بمآت الأعين والأفواه والأسنان .. شعارات المطبِّعين وأغاني الماسكين بالجمر الحالمين بالعودة .. ومخطئٌ من يظن منهم أنه يقترب اليوم من الشاطئ.