الإسرائيليون ينفذون خطة الضم رغم إعلان تجميدها

أعلن الاحتلال شكليًّا تجميد خطة الضم لأجزاء واسعة من الضفة الغربية وغور الأردن، لكن الزحف الاستيطاني هناك بعد ربع قرن من توقيع اتفاق أوسلو يدمر ما تبقى من الاتفاق، ولم يعد ما تشهده الضفة بين الفلسطينيين والمستوطنين صراعًا على دونم أرض ومجموعة مواشٍ، بل عودة لعدم الاعتراف بحق الفلسطينيين بتقرير المصير، حتى في الجيوب التي يقل حجمها الإجمالي عن نصف الضفة الغربية.

يحدث الزحف الاستيطاني الإسرائيلي في الميدان دون الحاجة لإعلان تنفيذ خطة الضم وتطبيق القوانين الإسرائيلية، وكأن (إسرائيل) تلغي بأذرعها المختلفة، الرسمية وغير الرسمية، ما تبقى من اتفاقية أوسلو التي وقعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية قبل 27 عامًا.

ربما من أجل التعرف إلى التغيير الحاصل بالضفة الغربية، يجب تجهيز خرائط من نوعين: تاريخي يدرس العمليات طويلة المدى؛ وجيو-سياسي تحددت فيه أحرف "أ، ب، ج" التي تميز مختلف مناطق السيطرة بالضفة، فمناطق "أ" -ونسبتها 18٪- خاضعة للإدارة الكاملة للفلسطينيين، والمنطقة "ب" بنسبة 21٪ نقلت إليها السلطات المدنية وصلاحيات التخطيط والبناء للسلطة الفلسطينية، وبقيت 61٪ تشكل منطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

على مدى السنوات ركزت (إسرائيل) جهودها للسيطرة على منطقة "ج"، بزعم منع تسرب مناطق إضافية تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وفُرضت قيود على البناء بهذه القرى، بإصدار 19 ألف أمر هدم لأكثر من 30 ألف مبنى، وهدم آلاف المباني، وفي الوقت نفسه أنشأ المستوطنون حقائق جديدة على الأرض بإقامة عشرات البؤر الاستيطانية دون تصريح، وحظيت بدعم الاحتلال السخي لتوفير البنية التحتية، وحماية الجيش لها.

وبدلًا من المضي قدمًا لإقامة كيان فلسطيني مستقل، تكثف الوجود الإسرائيلي في المنطقة "ج"، في حين كان الوجود الفلسطيني محدودًا ومقلصًا، وعدنا من جديد لنقطة البداية بفرض السيطرة الإسرائيلية في المناطق التي نقلت سابقًا للسلطة الفلسطينية، ويبدو أن الاتجاه الذي تسير فيه الأمور يحدده المستوطنون بوضوح، لأنهم يعتقدون أن جذر الصراع على الأرض، ولا يمكنهم التعايش مع مفهوم الدولة الفلسطينية.

إن فحص ما يحدث في الضفة الغربية يظهر أن (إسرائيل) والمستوطنين حذفوا التفرقة بين مناطق أ، وب، وج، ولم يعد ذلك مسألة بلاغية، بل عملية ملموسة، واليوم بعد ربع قرن من توقيع اتفاق أوسلو (إسرائيل) تبطل ما تبقى منه، ليس بالنظام القديم بمصادرة الدونمات، ولكن بتغيير نموذج كامل، سعيًا لإبطال الأساس المنطقي والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

وفي حين جمدت خطة الضم حاليًّا، من الناحية الإعلامية، من الناحية التنفيذية على الأرض يواصل زحفه، بل يعززه بقوة دفع كبيرة، بما يشمله من الفصل العنصري والقمع العنيف تجاه الفلسطينيين.