"كريس".. ابن غزة الذي تحول إلى "قيس" في أمريكا

...
غزة- نبيل سنونو:

وأخيرًا -يا كريس- تراقص قلبك فرحًا ودقت فيه طبول السعادة!، هأنت تحط رحالك في الولايات المتحدة الأمريكية بعد تجاوزك السجن الكبير، ستلتقي يا كريس –يا ابن قطاع غزة المُحاصَر- أناسًا من مختلف الثقافات والجنسيات والمعتقدات وتشق طريقك نحو حياة جديدة، في "بلاد الحضارة".

لقد جانبت الصواب يا كريس -أقول في نفسي بعد سنوات- في انطباعك الأولي عن الحياة في الولايات المتحدة، وتيقنت يومًا بعد يوم من قيمة الشيء بعد فقده، حتى قادك قلبك وعقلك إلى حيث لم يتوقع أحد.

كيف تحولت إلى قيس؟، قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أولًا أن أقول لكم من كريس طرزي؟

عام ١٩٩٣م كانت صرخة ولادتي في مدينة غزة الساحلية، فأنا فلسطيني الهوية، ولدت في عائلة مسيحية تدين بالطائفة الأرثوذكسية الشرقية، وترعرعت بين المسلمين، ولطالما أحببت المعاملة في قطاع غزة، ولم أجدها في أي مكان في العالم من الإحسان للمسيحيين وأخلاق الإسلام في التعامل، وأعرف أن في القرآن آية نصها: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ".

عشت مع والديّ اللذين أحبهما وأفتخر بهما وبتربيتهما لي على الأصعدة كافة في جو أسري طبيعي دون أي مشاكل، مع أخي وأختي اللذين يصغرانني سنًّا، كانت حياة مسيحية طبيعية من ناحية التدين، وكنت أذهب مع جدي إلى الصلاة يوم الأحد في كنيسة القديس برفيريوس بغزة، في حين يذهب أصدقائي المسلمون إلى الصلاة في المسجد، وكنت أفتخر بالمعاملة الفائقة الروعة التي وجدتها في وطني، ولا توجد في كثير من الدول الغربية، لكن الإسلام يحث على البر تجاه الناس، سواء أكانوا مسيحيين أم من ديانات أخرى موجودة تحت سلطته.

أتممت تعليمي الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس خاصة بغزة، درست منهاجًا فلسطينيًّا، وأخذنا دروسًا في الدين المسيحي، لكن كانت معظم المعلمات من المسلمين، ولهن فضل كبير عليّ.

كان تفوقي في الدراسة وإتقاني اللغة الإنجليزية –وكان معروفًا عني دومًا أنني من المجتهدين- جواز سفر لحصولي على منحة للدراسة في الولايات المتحدة في سن 18 سنة، قضيتها في ظروف الاحتلال الغاصب الذي لم يسلم منه الحرث ولا النسل ويضطهد الفلسطينيين، وشهدت الظروف الصعبة التي يعانيها شعبنا من الحصار وتهويد الأراضي والحروب والاعتداء عليه بغير حق.

ولا أنسى أنني كنت على مقعد الدراسة لما قصف الاحتلال مبنى في حي تل الهوا واصطدم رأسي بالشباك، ثم قصف مقرًّا للشرطة بجانب بيتنا في حي الرمال، وانقطعت الكهرباء، كانت أوقاتًا صعبة في 2008م، قبل أن أغادر غزة.

في أمريكا درست البكالوريوس في علم الاقتصاد، وكنت مطلعًا على العلوم الاجتماعية عامة وعلى ثقافات الشعوب، وواصلت الطريق حتى أنهيت مرحلة الماجستير ونلت درجة الدكتوراة من جامعة بنجهمتون بولاية نيويورك في أمريكا قبل شهر، وخلال هذه المدة كانت نقطة التحول.

منذ أن وطئت قدماي أرض أمريكا أول شعور حل بي هو ما عبرت عنه بكلمات:

- وأخيرًا دخلت مكانًا لا حرب فيه ولا دمار!

هذا الشعور قد يعتري معظم الناس عندما يتحررون من أجواء الحصار والحرب، وشعور آخر راودني أن في أمريكا مسيحيين كثرًا ومن دول مختلفة سأقابلهم، فكانت تطغى عليّ نظرة مشرقة إلى الموضوع.

في العامين الأولين من وجودي في أمريكا كنت معجبًّا جدًّا بالتطور وما يبدو احترام الآخر هناك، وقلت: سأضع الماضي وراء ظهري وسأبدأ حياة جديدة شخصًا يندمج في المجتمع الأمريكي.

شيئًا فشيئًا بدأت أفتقد أمورًا عظيمة موجودة في المجتمع الإسلامي.

"بالسِّر"

افتقدت -مثلًا- بر الوالدين، فلم أقابل أحدًا إلا وأمه أو أبوه إما يعيش منفردًا أو في بيت العجزة، وتكاد هذه الظاهرة تكون بنسبة 90%.

وذات مرة طلبت سيارة أجرة، وكانت امرأة عجوز تنتظر (تاكسي) فالتمست من السائق أن يقلها بدلًا مني نظرًا إلى سنها، لكنه رفض، وبموازاة ذلك صدمني عدم احترام الصغير الكبير، ومَن سنه 19 عامًا كمن سنه 90 عامًا.

وفي الولايات المتحدة -يا صاحبي- تجد تنظيمًا ونوعًا من احترام القانون، لكنك لن تجد تراحمًا بين أبناء المجتمع الأمريكي، أما في غزة فعندما كان يحتاج أحد لمساعدة يهل عليه أهل الخير.

وإذا حدثتك عن الأصدقاء ففي غزة لدي أصدقاء مسلمون في حين أنا كنت مسيحيًّا، وبعد خمسة أعوام يذكرونني ويراسلونني للاطمئنان: "كيف حالك يا كريس؟"، في المقابل كنت أقابل أشخاصًا من عقيدتي ذاتها في أمريكا لا يكلمونني ولا يطمئنون عليّ، بل ينسونني ويضعونني وراء ظهورهم.

وماذا سأخبرك عن العنصرية؟!، فبينما الإسلام يمحو العنصرية، تجدها أمامك هنا (في أمريكا)؛ فصحيح أنك قد تكون مسيحيًّا ولكنك "فيك شيء مختلف"، وهو أنك عربي!

في غزة يفتخرون بأنهم لا يدمنون الكحوليات والخمور، في حين تنتشر هنا، وربما يقول لك أحدهم: الخمور موجودة في كل دول العالم، لكن في غزة وعي المجتمع يمنعها والجهات المسؤولة تهتم بحمايته منها.

كذلك الانفلات الأخلاقي حتى السرقات تنتشر في الولايات المتحدة رغم الرخاء، هذه السرقات تكاد تكون غير موجودة في فلسطين رغم الوضع الاقتصادي الصعب بفعل الحصار.

ولك أن تتخيل أن يكون لأحدهم عشيقة يسمونها "Girl friend"، وعشيق يسمونه "Boy friend"، وهذا بات منتشرًا في أمريكا.

كل ذلك دفعني إلى التفكير المعمق، لكن هذا ليس كل شيء!

عندما كنت مسيحيًّا لم أكن أؤمن بنبوة رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، لكن كنت دائمًا أوقره رجلًا دعا الناس إلى الأخلاق الحميدة ووحد الجزيرة العربية وأخرج الناس من الظلم الذي كان سائدًا، وقد دلل لي على ذلك التراحم والأخلاق في مجتمعنا، ما ولّد فيَّ حب المسلمين والإسلام.

في ٢٠١٤م بدأت أدرس الماجستير وصرت أتعامل مع أساتذة كبار في مجالهم من جامعات مختلفة مثل هارفرد وأكسفورد، وتحاورت معهم لأرى نظرتهم إلى الأمور والقضية الفلسطينية، وبدأت ألاحظ إعجازًا في النمط الإسلامي.

مثلًا مما كنا ندرسه التنمية الاقتصادية، ولاحظت أن هناك نوعًا من الإقصاء يحافظ على المجتمع الغربي ليكون هو في الريادة ويريد من جميع الدول والحضارات أن تتبع هذا المنهج، وهذا يختلف عن المنهج الإسلامي لأن الإسلام جاء لكل الشعوب والجميع فيه متساوٍ: المسلم الأمريكيّ والأفريقيّ وغيرهما.

لماذا منهجك هو الصحيح فقط؟، هناك غيرك يفكر أيضًا، هذا ما قلته عمن وضعوا نظريات التنمية الاقتصادية المذكورة، فالإسلام يعتمد على كتاب الله وحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وليس كل من أراد يصنع منهجًا، بل إن هناك وحيًا يستند إليه.

كان ذلك دافعًا لألاحظ أهمية المرجعية في حياة الإنسان، وفي سجالاتي مع الصهاينة مثلًا في الجامعات أسألهم: "لماذا احتللتم فلسطين؟"، يقولون: "شيء وحدث"!، ويزعمون أنها "الأرض الموعودة وموجودة في التوراة"، فأرد: "أنتم الآن تحاصرون غزة وتسلبون أراضي من الضفة وتقصفون وتقتلون"، وأقول لهم: "ليس بمزاجكم، نحن نريد أن نعرف الحق ونسير عليه".

لاحظت دائمًا أن من لم يستند إلى وحي تجد عنده تناقضات.

في تخصصي ومحاوراتي شعرت دائمًا أن هناك شيئًا ناقصًا وأنه لا بد أن تكون لنا مرجعية، لأن فلانًا أو علانًا يبدل ويغير كما يشاء.

في أثناء استماعي لسلسلة د. عبد الوهاب المسيري في (يوتيوب) عن العلمانية وأهمية المرجعية سمعت آية: "وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ " (المائدة:72) وقلت: لا يجوز أن تكون محايدًا؛ إما أن تبقى على ما ولدت عليه، وإما أن تبحث أكثر في موضوع العقيدة.

ثم قلت في نفسي: لماذا لا تعطي فرصة للدين الذي أنت عليه؟، زد في قراءتك له وفي ذهابك إلى الكنيسة، رغم أنها كانت تبعد عني ساعة في السيارة، وكان يرافقني إلى صلاة الأحد شاب مسيحي، وأتحدث مع قساوسة ورهبان.

منذ ستة أعوام بدأت في دراسة موضوع الدين، ولكن بين 2019 و2020م درسته بكثافة، واطلعت على الشبهات والحجج بالإنجليزية والعربية واليونانية خاصة، ولم أترك أي مخطوطة أو شبهة، حتى ذهبت إلى بعض من يدعي الإلحاد وبحثت في بعض الديانات المزعومة الأخرى غير السماوية.

لما سبق، وبطريقة علميّة تتبع في الجامعات الكبيرة وبما آتاني الله من العلم الدنيوي، وبأدلة قاطعة أستطيع باقتدار أن أقدمها لمن أراد عن المسيح والإنجيل والعهد القديم والوحي؛ تيقنت أنه لا مجال أن يكون القرآن من صنع بشر، وبنية صافية وإخلاص لله اهتديت إلى الإسلام، وأشهرت إسلامي في السادس من الشهر الجاري خلال زيارة إلى تركيا، لكنني كنت مسلمًا بالسر في الولايات المتحدة منذ عام.

في صلاتي التي يأمر بها الإسلام أسجد لله وأكون بذلك أكثر قربًا منه، وأدعوه مباشرة من دون وسيط.

صارحت أبي وأمي، وإن شاء الله يتقبلوا هذا الأمر، وهناك حوار معهما، وأشجع أخي وأختي، ونسأل الله الهداية للجميع.

أما علاقاتي في أمريكا فمنذ أن أسلمت بدأت رويدًا رويدًا أنطوي على نفسي، فهناك يمكن أن يقولوا لك: حرية عقيدة، ولكن هذا الكلام ليس دقيقًا، فعندما تدعوه إلى الإسلام سيضيق ذرعًا.

أنا على يقين أن الله (سبحانه وتعالى) يعطي لكل شخص فرصة للدخول في الدين، والحمد لله أنني أخذت هذه الفرصة.

سأستمر في الحديث عن حقيقة إسلامي، وسأوضح للناس تجربتي، فهذه مسؤوليتي.

ولا أنسى أن أخبركم كيف تحول اسمي إلى قيس؛ فقبل إسلامي سماني أبي باسم جدي "خريستو"، ولكن الناس كانوا يتصعبون منه ونادوني كريس، وبعضٌ كان يناديني قيس، وهو الاسم الذي اعتمدته بعد إسلامي.

ملاحظة: صيغت هذه المقالة وفقًا لمعلومات مقدمة من د. قيس.