هكذا تؤثّر الأخبار السيئة في صحتنا العقلية

...

تميل أدمغتنا بشكل مؤسف إلى تفضيل متابعة الأخبار السلبية، غير أن الشعور بالعيش في عالم قبيح من دون أمل، يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالانهيار وحتى التفكير في الانتحار لدى الأشخاص المهيئين لذلك، وفق الباحثين، الذين ينصحون ببذل جهد في انتقاء الأخبار ومتابعتها لسلامة الصحة العقلية.

حين تكون جالسا على أريكتك، هل فعلا لا تتأثر بما تستمع اليه في نشرة أخبار التلفزيون؟ يقول غيوم فوند البروفيسور في مستشفى مارسيليا الجامعي، ورئيس مركز الشيزوفرانيا والاكتئاب، في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، إن الأمر ليس كذلك.

مضيفا «تمثل الأخبار المتلاحقة عبئا عقليا، لا يمكن تجاهله ولا يمكن أن يمر من دون آثار بالنسبة للأشخاص المنهكين نفسيا، خاصة عند متابعة القنوات الاخبارية التي تعتمد على الإثارة» ويحذر الأطباء والمختصون من هذه القنوات، التي تجعلنا نعيش اللحظة ونبحث دوما عن ردود فعل عاطفية، لأن الكوارث تأسرنا وتسحرنا.

ويشير الباحثون، وفق «لوموند»، إلى أن تلقي عدد كبير من الأخبار السلبية، بشكل متكرر يوميا ينتهي بإقناعنا بأننا نعيش في عالم ضائع.. وهذا الشعور بالعيش في عالم قبيح ويحيط به اليأس من كل جانب، يمكن أن يولد أفكارا سيئة لدى بعض الأشخاص، والشعور بعدم القدرة والعجز هو ما يؤدي الى خسائر على الصعيد النفسي.

ويسبب الإجهاد الناتج عن هذه الأخبار السلبية إفراز الكورتيزول بشكل دائم ما يؤدي على المدى الطويل إلى إصابة الدماغ بالالتهاب.

معالجات مختلفة ووفق فريق بحث كندي من جامعة مونتريال ومستشفى سانت جاستين، فإن الأخبار التي يتلقاها الدماغ لا تتم معالجتها بالطريقة نفسها.

ويتكون دماغنا من نحو مليار خلية عصبية منشطة، تتبادل المعلومات فيما بينها عن طريق التبرعمات.

وحين تتكرر أخبار، على سبيل المثال، الأخبار المرتبطة بـ«كوفيد 19»، فإن هذه المبادلات تتضاعف وعدد السيالات العصبية التي تتعامل مع هذا الخبر يرتفع، وتصبح الخلايا العصبية أكثر حساسية.

وعلى العكس من ذلك، فإن كان الخبر التي تلقاه الدماغ موضوع مبادلات قليلة، وإن كان خبرا جيدا، فإن مدة استحضاره ستكون أقل، ويمر على الدماغ من دون أن يترك أي أثر لأنه من دون صدى.

الأخبار السلبية وعلاوة على هذا الاختلاف في معالجة الخبر على مستوى الدماغ، فإن البشر ميالون لمتابعة أخبار الكوارث.

ويقول الدكتور فوند «لدينا كلنا تحيز معرفي، مثل النزوع إلى متابعة الأخبار السلبية التي نحتفظ بكل تفاصيلها بشكل أفضل من الأخبار الإيجابية» وفي كتابها «من فضلك ساعدني على العيش» الصادر عن منشورات أوديل جاكون، تؤكد المختصة في علم النفس الاكلينيكي جان سيود فاشين أن أدمغتنا وقلوبنا وأرواحنا تتلقى دوما الأخبار السلبية أولا.

مضيفة «نحن نركز على ما يسبب لنا اضطرابا، على ما يزعجنا وعلى ما يخيفننا.. نحن كلنا هكذا بشكل تلقائي».

أما التحيز المعرفي الآخر فهو أننا نحتفظ في ذاكرتنا بما هو قريب اكثر مما يبدو بعيدا، وكمثال على ذلك، نتأثر بشكل كبير بحادث عارض يقع في مدينتنا وإن لم تكن له أي تداعيات، ولا نعبأ بمئات القتلى إن سقطوا في ركن بعيد من الكرة الأرضية.

وأما الأشخاص الذين لا يتأثرون بالأخبار السلبية، فهم مقتنعون بشكل غريزي وطبيعي بأن الأخبار التي تبثها القنوات التلفزيونية مشوهة ولا تعكس الواقع تماما، لذلك فهم يواجهون هذه الأخبار السلبية بأخبار إيجابية أو يكتفون بمتابعة ما يهمهم فعلا ويستحق تفاعلهم واهتمامهم.

وتوضح جيان سيود فاشين أن رصد الأخبار الجيدة والمناسبة لنا يتطلب مجهودا. وتتابع «علينا أن نتحرك في هذا الاتجاه والعودة إليه كلما شعرنا بأننا فقدنا البوصلة ومتى نسينا طبيعتنا.. يتطلب الوضع جهدا حتى نتمكن من الاهتمام بالأشياء الجميلة». إثارة الغضب أما بالنسبة لأولئك الذي يعانون إنهاكا نفسيا، فيبدو هذا الإدراك غائبا، لذلك ينصح الخبراء وبشكل عاجل بالتقليل من متابعة الأخبار السلبية، غير المهمة ولكن أيضا متابعة الأخبار بطريقة مختلفة تماما.

ويشير البروفيسور فوند مؤلف كتاب «سأحول حياتي إلى مشروع كبير» إلى أن التحليل العقلاني وحده ما يسمح لنا بفهم وادراك تحديات الأحداث الحالية والحلول الممكنة لمواجهتها.

مضيفا «أنصحكم بالبحث عن مصادر أخرى لتلقي الأخبار والحرص على اختيار مصادر تتناول الموضوعات بشكل أعمق مثل الصحف والمدونات الصوتية والاذاعات.. وسائل الإعلام هذه تفسح المكان للمحللين الخبراء وتبحث دوما عن الحلول الممكنة.. كما يسمح الاطلاع بشكل واسع على أي موضوع بطمأنة الشخص نفسيا.. مما يمكنه أيضا من التمييز بين الأخبار الكاذبة والأخبار الحقيقية».

وعلى سبيل المثال، يتلقى الكثير منا رسائل على مختلف التطبيقات الهاتفية، يرسلها أشخاص ينقلون أخبارا مثيرة ومزعجة، لغرض وحيد هو إثارة الغضب، لذلك على كل واحد منا أن يتساءل كيف تؤثر فيه هذه الرسائل وهل تعزز قوته في العمل أم تزيد شعوره بالعجز وإن كان الجواب هو الخيار الثاني، فعليك الاسراع بمنع استقبال هذه الرسائل التي تولد بشكل أساسي الشعور بالملل والمعاناة.

المصدر / وكالات