الإسلاميون والحكم .. والمزاعم الباطلة

شعبنا الفلسطيني متعطش جدًّا لممارسة الديمقراطية والذهاب إلى صناديق الاقتراع، فكل من هم دون سن الثلاثين لم يشاركوا في انتخابات قط؛ لا تشريعية ولا رئاسية، أما باقي الشعب فلم يحظَ إلا بفرصتين للمشاركة في الانتخابات منذ قيام السلطة الفلسطينية يفصل بينهما 10 سنوات، وها نحن أمام الفرصة الثالثة بعد 15 عامًا على آخر انتخابات رئاسية وتشريعية، وهذا يفسر تعطش الشعب الزائد لممارسة حق من حقوقه حرمه منه قادة الشعب الفلسطيني، والمجتمع الدولي الذي يخشى ممارسة شعبنا خياره الديمقراطي.

الدعاية الانتخابية بدأت مبكرًا وقبل صدور المرسوم الرئاسي بإجراء الانتخابات، وفي هذا المقال سأتناول قضية مهمة تُتَداول مع كل انتخابات لتقليل فرص نجاح الإسلاميين أو إفشالهم، إن أمكن.

يقول الكاتب المفكر الدكتور أحمد يوسف: "إذا أجريت الانتخابات أرجو ألا يرتفع سقف تطلعات الإسلاميين إلى غير الوجود في المجلس التشريعي، وأن يتركوا الحكومة لمن هم أقدر على تسييرها".

أنا أعد هذه دعوة لإقصاء أكبر فصيل على الساحة الفلسطينية، وأعدها اتهامًا باطلًا للإسلاميين، وتبرئة مجانية لكل من يتآمر عليهم ويحاول منع وصولهم لما يستحقون".

لا يجوز لكائن من كان أن يحدد سقف التطلعات السياسية وغير السياسية لأي فصيل سياسي ولا للمستقلين أو أي فئة من فئات الشعب ما دامت شرعية وقانونية، الوجود في المجلس التشريعي لا يعني بالضرورة السيطرة عليه، بل معناه الأقرب هو الوجود الشكلي غير المؤثر، كأن المطلوب من الإسلاميين الحضور كأقلية في المجلس التشريعي لمنح المجلس التمثيل الكامل لفئات الشعب، وأن يكونوا شهود زور لا أكثر.

أما قوله: "وأن يتركوا الحكومة لمن هو أقدر منهم على تسييرها" فهذه كبيرة لا نرضاها من شخصية واعية أو مفكر كالدكتور أحمد يوسف، نحن جربنا تسع حكومات قبل تشكيل حكومة إسماعيل هنية العاشرة، ماذا فعلت تلك الحكومات؟، آخر ثلاث حكومات كانت برئاسة السيد أحمد قريع، وأكبر إنجازاته كان استيراد الإسمنت المصري لمصلحة شركة إسرائيلية لبناء المستوطنات والجدار العازل، واختفاء مئات الملايين من الدولارات، ولم يكن قريع هو المتورط الوحيد في "فضيحة الإسمنت"، بل هناك شركاء من داخل الحكومة وخارجها، فهل يريد د. أحمد يوسف من يسير الحكومة بهذا الشكل؟!, وهذا مجرد مثل وغيض من فيض، ومن يرِد الاستزادة فعليه مراجعة ملفات هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية؛ ففيها الكثير من القضايا التي تخص وزراء في الحكومات المتعاقبة.

إن وجود أغلبية إسلامية في المجلس التشريعي يمنع اتخاذ أي قرارات فيها تنازل عن ثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي حال تعطل المجلس بسبب التآمر عليهم هذا ليس فشلًا لهم، وللعلم إن السنوات التي تعطل فيها المجلس أفضل من السنوات التي عمل فيها دون وجود الإسلاميين، وذلك لسبب بسيط، وهو عدم اتخاذ أي قرار ضد القضية الفلسطينية باسم الشعب الفلسطيني، وأي قرار اتخذ في غياب المجلس لا يأخذ به أحد، حتى المجتمع الدولي الذي يحتاج إلى انتخابات لتمثيل الشعب كافة، ولكن بأقلية إسلامية لتمرير ما يتناسب مع اتفاقية أوسلو، والحال في فلسطين كالحال في باقي الدول العربية: الإسلاميون مستهدفون وتعرقل أي تجربة يخوضونها باستماتة منقطعة النظير، ولذلك لا يوجد أي تجربة مكتملة للإسلاميين حتى نحكم عليهم بالفشل، المجتمع الدولي متآمر، وبعض تجارب الإسلاميين في الحكم كانت ناجحة على قصر عمرها، كما حدث في مصر.

بعضٌ يعتقد أن تخلي الإسلاميين عن الحكم والتفرغ للمقاومة أفضل، وأنا أعتقد أن تخليهم عن الحكم سيؤدي إلى التضييق عليهم وعدم السماح لهم بالعمل، بذريعة أنهم "معارضة" وعملهم خارج الإطار القانوني للسلطة، ولذلك لا بد أن تكون لهم سيطرة مباشرة أو غير مباشرة حيثما أمكن لضمان التقدم من أجل تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني، كما تنص عليه وثيقة الوفاق الوطني لا اتفاقية أوسلو.

ختامًا نقول إن تسيير الحكومة لا يعني فقط الحفاظ على المال العام من السرقة والفساد أو توفير المأكل والمشرب والرواتب للفلسطينيين، بل يعني أن تعمل الحكومة مكونًا أساسيًّا لنظام سياسي يسعى إلى تحرير الأرض والمحافظة على حياة الفلسطيني وكرامته وأخلاقه ومعتقداته.