أخذ لقاح كورونا "نظرة شرعية"

...
د. زياد إبراهيم مقداد - رئيس لجنة الإفتاء في الجامعة الإسلامية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أما بعد؛ فبعد مرور نحو عام على مداهمة وباء كورونا معظم بلدان العالم، الذي تسبب في إصابة عشرات الملايين من البشر وحصد أرواح قرابة المليونين، استنفرت شركات الأدوية العالمية واللقاحات العلماء والخبراء والمختصين، لإجراء التجارب المخبرية بقصد التوصل إلى لقاح، لمواجهة هذا الوباء وتخليص البشرية من شره وضرره.

ومع نهاية عام (٢٠٢٠م) أعلنت العديد من شركات الأدوية وتحضير اللقاحات توصلها لإنتاج لقاح مضاد لهذا الوباء، تصل درجة فاعليته ونجاحه إلى (٩٥%) ممن يأخذون هذا اللقاح، ما يعني أنه يمكن القضاء على هذا الوباء في وقت قريب بإذن الله (عز وجل)، ومع أن الفرحة عمت أوساطًا كثيرة بين الناس في العالم بسبب التوصل لهذا اللقاح ظلت فئات كثيرة أخرى من الناس متوجسة من فاعلية هذا اللقاح، ومتخوفة من آثاره السلبية على من يأخذه، خاصة أنه لم يختبر بما يكفي للاطمئنان على فاعليته وتحقيق نتائج إيجابية منه.

ولذلك إن الناس اختلفوا في قبولهم أخذ هذا اللقاح، وهل للحكومة أن تُجبر الناس على أخذه منعًا لانتشار الوباء وحماية للمجتمع من خطره؟

فمنهم من قبل أخذه وشجع عليه بل نادى بوجوب تطعيم الناس به، ومنهم من تشكك في نتائجه وتخوف من أضراره ونادى بعدم أخذه وحذر منه، عادّين أخذ هذا اللقاح من الخطورة بمكان، وأخذه قد يكون أكثر خطرًا من الوباء نفسه، ونحن المسلمين أمام هذه الاختلافات من أخذ اللقاح ينبغي أن يكون موقفنا متماشيًا مع الموقف الشرعي ووفقًا لأحكامه المتمثلة فيما يلي:

أولًا: أن الشريعة الإسلامية جعلت الحفاظ على النفس ضرورة من الضروريات الخمس التي ينبغي أن تتوجه تصرفاتنا لحمايتها، بل عدت الحفاظ على النفس أول الضروريات بعد الحفاظ على الدين.

ثانيًا: يتفرع عن ذلك أن شريعتنا أمرت بالتداوي عند الإصابة بالمرض، وأمرت بالأخذ بأسباب الحيطة والوقاية من الإصابة بالأمراض، فقال (صلى الله عليه وسلم): "تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً"، وقال أيضًا: "لا ضررَ ولا ضِرَارَ في الإسلامِ"، واللقاحات التي توصل إليها هي وسائل وقائية للتحرز من المرض، وهي بمنزلة الدواء للمريض، فتأخذ حكم التداوي.

ثالثًا: يكون أخذ اللقاح واجبًا شرعيًّا متى توافر وثبتت فاعليته وأمن ضرره، إذا ترجح أن أخذه يمنع تفشي المرض، ويحفظ على الناس أنفسهم وأرواحهم.

رابعًا: أنه عندما تكون جرعات اللقاح محدودة تكون الأولوية في أخذها للمصابين من يترجح منهم لدى الأطباء أنهم لو أخذوه شفوا وصحوا بإذن الله (تعالى)، يليهم الفئات الأكثر عرضة للخطر في إثر إصابتهم بالوباء من أصحاب الأمراض المزمنة أو كبار السن.

خامسًا: أنه ما لم تثبت فاعلية اللقاح وأمن نتائجه، وكان من المرجح أنه يتسبب في أضرار وأخطار كبيرة؛ لا يجوز أخذه أو إجبار أحد على أخذه.

سادسًا: أن الشكوك والشبه التي تثار حول اللقاح وضرره ولا تستند إلى أدلة ثابتة لا اعتبار بها شرعًا، ما دامت الجهات المختصة تؤكد صلاحيته وفقًا لما قامت به من تجارب علمية وصحية.

وعلى ذلك إنه متى استطعنا تحصيل هذه اللقاحات، وتأكد لنا فاعليتها وأمن ضررها، فإن حكم أخذها يكون كحكم أخذ عموم الأدوية واللقاحات الأخرى وفقًا للتفصيل الذي سبق بيانه.

والله أعلى وأعلم.