تحدياتنا في الانتخابات الإسرائيلية 2021

...

أقترح من خلال هذا المقال أن نضع إطارًا أوسع للنقاش حول ما يحدث وسيحدث في الانتخابات القريبة. فيما يلي بعض المحاور التي من المهم الانتباه إليها في هذه المرحلة وقبل تقديم قوائم المرشحين النهائية يومي 3-4/2/2021.

ستتأثر الانتخابات الإسرائيلية القادمة من نتائج الانتخابات الأمريكية، فالإدارة الأمريكية الجديدة معنية بتغيير نتنياهو، الذي تدخل بالسياسة الداخلية للأحزاب الأمريكية منذ عام 1997. الدعم المتبادل بين نتنياهو -ترامب برعاية رجل الأعمال الأمريكي الصهيوني اليميني شلدون اديلسون سيؤثر على تحركات الإدارة الأمريكية الجديدة، وعلى توقعاتهم من نتائج الانتخابات الاسرائيلية. سنرى تدخلًا مباشرًا لرجال أعمال أمريكيين منتمين إلى الحزبين الأمريكيين (الجمهوري والديمقراطي) في الانتخابات الإسرائيلية، كما حدث منذ عام 1997. وستعمل منظمة اللوبي الإسرائيلي "ايباك" على حماية مصالح الحكومة الإسرائيلية المنتخبة، ولكن الشرخ بين الحزب الديمقراطي الأمريكي ونتنياهو من الصعب تصليحه.

يستغل طاقم ترامب الأسابيع الأخيرة لنقل السلطة إلى طاقم جو بايدن لترتيب بعض القضايا الاقتصادية التي تخدم مجموعة ترامب الاقتصادية والسياسية. اتفاقيات التطبيع الإماراتية والمغربية والسودانية، والاتفاق الاخير بين السعودية ومصر وقطر، كل ذلك يخدم مصالح اقتصادية-سياسية لمؤيدي الرئيس ترامب خلال السنوات الاخيرة. الهرولة السعودية-المصرية للاتفاق مع قطر هو نتيجة لتخوف من التغيير القادم في سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط. سيؤثر الاتفاق السعودي-القطري على الخطاب الإعلامي في الفضائيات والشبكات الاجتماعية العربية، وعلى المعارك الميدانية في اليمن وسوريا وليبيا، وعلى مستقبل العلاقة بين فتح وحماس. يستفيد نتنياهو من دور طواقم ترامب في منطقة الشرق الأوسط، ولكن خطوات الإدارة الأمريكية تخدم بالأساس المصالح الاقتصادية لمجموعة مؤيدي ترامب في الولايات المتحدة.

"إسقاط" نتنياهو والبديل أتعس

قد يتصرف "جدعون ساعر" كما تصرف "كحلون" بعد خروجه من الليكود. الانسحاب من الليكود وتشكيل حزب سياسي منافس وانضمامه بعد انتخابات 2015 إلى حكومة برئاسة نتنياهو. ولكن الاستطلاعات تؤكد اننا أقرب إلى تشكيل حكومة "ساعر- يمينا - كحول لبان - يائير لبيد - ليبرمان"، حكومة بدون نتنياهو والأحزاب المتدينة وممثلي الجماهير العربية. حكومة ستواصل عدم الاعتراف بحقوقنا القومية والسياسية والاقتصادية.

أتت ظاهرة كحلون إلى السياسية الإسرائيلية في أعقاب الحراك الاجتماعي، وتنطلق ظاهرة "ساعر" في أعقاب الحراك السياسي اليهودي ضد فساد نتنياهو. سيكون أصعب على الشعب الفلسطيني مواجهة حكومة "ساعر لبيد" داخل المؤسسات الدولية التي تبحث عن بديل لنتنياهو وسياسته الاستعلائية.

الصوت العربي والحوار السياسي الاجتماعي الاقتصادي

يتواصل التهافت على أصوات العرب ، ولم يتوقف في كل المعارك الانتخابية، وأستغرب أن هناك من توقع غير ذلك. فقد شارك في الانتخابات الماضية حوالي 65% من الناخبين/ات العرب، وتدل الدراسات أن هناك نسبة جيدة من الناس لم تصوت لأسباب مختلفة. قد تساهم أصوات العرب في عبور ميرتس نسبة الحسم، وسينافس نتنياهو بالأساس "شاس" و"كحول لبان" على أصوات "عربهم"، التي تأرجحت في المعارك الانتخابية الأخيرة بين الأحزاب الصهيونية، ولكن الأغلبية الساحقة من مجتمعنا لن تنجر وراء الترشيحات الشخصية لعرب داخل أحزاب صهيونية. هناك عملية تراكمية متواصلة في أنماط التصويت عند العرب للأحزاب الوطنية، والتي بدأت عام 1976 وتتجذر بكل معركة انتخابية.

لو كنا نملك مرجعية وطنية ملزمة لكان النقاش داخل مركبات القائمة المشتركة مختلفا من ناحية مضامين ومواقع النقاش. نعم يجب ان نتناقش ولكن داخل مؤسساتنا، ويجب ان نحتكم لإرادة الناس كما وعدت المشتركة، فالنقاش الحالي مخجل من ناحية مضامينه ومواقع حصوله (لجان الكنيست والاعلام العبري). من غير الطبيعي ان نتجنب النقاش الفكري وحتى الشخصي، ولكنه يجب أن يحصل داخل مجتمعنا ومؤسساتنا الحزبية والوطنية، وعلى الجمهور الفلسطيني أن يكون شريكًا فعالًا في هذا النقاش، والغريب أن غالبية أحزاب المشتركة لم تجمع كوادرها منذ الانتخابات الأخيرة لتناقش معها القضايا التي يتم مناقشتها في وسائل الإعلام، العبرية بالأساس.

تصور جماعي وتقسيم مسؤوليات بين الأحزاب

للخروج من حالة النجومية الفردية وتسويق الإنجازات الوهمية، وعدم التذيل لليهود "اليساريين" أو "اليمينيين"، يجب أن نحدد تصورًا جماعيًا يشمل مسؤوليتنا في إنهاء مأساة شعبنا الفلسطيني ويثبت وجودنا في أي حل سياسي إقليمي. يجب الاتفاق على تصور وخطة عمل، وتقسيم مهام، ومحاسبة ورصد الموارد لتنفيذ المهام، فمتابعة العنف والإجرام تتطلب الموارد المالية والإنسانية، ولكن هذه الموارد لم تخصص وأصبحت ردود الفعل غير مجدية ومحبطة.

برهنت تجربتنا التاريخية أننا لاعب مركزي في التأثير على الرأي العام اليهودي، وهذا ما حدث في أعقاب الانتفاضة الأولى (انتخابات 1992). نحن وجه المنطقة العربية والشعب الفلسطيني في الوطن، وبالتعامل مع المجتمع اليهودي طرحنا قضايا مركزية، مثل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وأحدث رعيل توفيق زياد ولاحقًا محمد ميعاري تغييرًا على الرأي العام اليهودي. لا يكفي تنظيم مجتمعنا، بل نتحمل مسؤولية اختراق الإجماع الصهيوني في القضية الفلسطينية الأوسع، فالتعامل العنصري معنا هو نتيجة انتمائنا للشعب الفلسطيني والمنطقة العربية.

اختيار الذهاب موحدين إلى الكنيست هو اختيار صحيح، ولكنه يتطلب انتخابات داخلية تتنافس فيها الأحزاب وتطرح برامجها الوطنية، وتعمل على تعميق تأثيرها بين الناس. تحويل الجمهور إلى ناخب متفرج على معارك النجومية في الإعلام الإسرائيلي وهامش الديمقراطية اليهودية يؤدي إلى ابتعاد الناس عن الأحزاب وعن العمل الوطني الوحدوي الحقيقي. نحتاج إلى بناء حيز ديمقراطي حقيقي، يشارك الناس ويلزم ممثلينا في المؤسسات القطرية.

تسفيه النقاش بين التيارات الفكرية "اليسارية -القومية -الإسلامية" (على أنواعها)، يبعد الناس عن النقاش الفكري والمشاركة الفعالة في النقاش الشرعي حول مستقبلنا ومواقفنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. تيار مقاطعة انتخابات الكنيست الإسرائيلية، على سبيل المثال، هو تيار فكري شريك في العمل الوطني يجب الإصغاء إليه ومناقشته، وعدم تخوينه أو تحييده. مجرد النقاش سيخلق تحديًا فكريًّا وأخلاقيًّا نحتاج إليه في هذه المرحلة.

بين النجومية الفردية والعمل الجماعي

في حديث مع الصديقة نائلة زياد، رفيقة درب القائد الراحل توفيق زياد، حول فترة القيادة التاريخية التي عاشتها، أشارت إلى أهمية التحليل الفكري واحترام إرادة الناس من قبل القيادة. وعلى المستوى التنظيمي، فإن أجرة توفيق زياد وباقي أعضاء الكنيست من الجبهة كانت تتحول إلى الحزب الذي كان يقرر أجرة كل عضو كنيست، ويوزع مدخول أعضاء الكنيست على باقي الكوادر الحزبية لدعم العمل الحزبي وتطويره. على الرغم من التغييرات القانونية التي حصلت بهذا المجال، مطلوب من كل عضو كنيست أن يرصد الموارد التي يحصل عليها لصالح العمل الجماعي داخل لجنة المتابعة أو القائمة المشتركة. لم ترصد القائمة المشتركة منذ عام 2015 ميزانية لتشغيل خبير اقتصادي يعمل على تحليل ميزانية الدولة، ولا منسق/ة للعلاقات الدولية ولا منسق/ة لمتابعة موضوع العنف، واستخدم جزء منهم (ولم أقل كلهم كي لا أظلم البعض) ميزانية العلاقة مع الجمهور لتسويق منشوراتهم على شبكة الفيسبوك.

خصصت الكنيست، خلال فترة توفيق زياد وتوفيق طوبي، لكل عضو كنيست مساعدين برلمانيين فقط ومكتب برلماني خارج الكنيست. في السنوات الاخيرة، هناك استخدام للتسويق الشخصي للموارد التي تعطى لأعضاء الكنيست، وعلى الرغم من ارتفاع تمويل الأحزاب والانتخابات وكمية المساعدين الشخصيين لدى أعضاء الكنيست، لم نشهد استخدامًا جماعيًا لهذه الموارد.

يحتاج تطوير عمل الهيئة الوطنية الجامعة لمجتمعنا الفلسطيني، مثل لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، إلى الموارد المالية والبشرية. يستطيع كل عضو كنيست تخصيص مساعد برلماني واحد على الأقل لصالح العمل الجماعي من خلال لجنة المتابعة العليا، لتتمكن من تشكيل طاقم عمل مهني يقوم بالمهام المتوقعة من لجنة المتابعة العليا، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ شهري متفق عليه من كل حزب سياسي لصالح العمل الوطني الجماعي.

على المؤسسات الوطنية والحزبية الخروج من الوضع القائم باتفاق على تصور مشترك وخطة عمل، وفهم لقوة الناس التي أصبحت تعبر عنها من خلال التصويت أو المقاطعة، فلن يكتفي الجمهور العربي بترتيب المقاعد ويتوقع من الأحزاب خطة عمل حزبية ووطنية حقيقية. برهنت الانتخابات أن الناس تستطيع أن تفرض إرادتها كما حدث في انتخابات نيسان 2019، حيث انخفضت نسبة التصويت إلى أقل من 50% وفرض الجمهور إعادة بناء القائمة المشتركة.

المصدر / جعفر فرح