الممرض "برهوم".. في العناية المركزة "مواجهة مع العدو الخفي"

...
غزة-هدى الدلو:

لطالما مر بظروف مختلفة عمل فيها ضمن الكادر الطبي، في عدوانات الاحتلال على قطاع غزة، ومسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار السلمية حيث الجرحى والشهداء، وأخيرًا مع مصابين بذلك العدو الخفي فيروس كورونا، ليكون ضمن المجموعة رقم (1) للعمل في العناية المركزة في مستشفى غزة الأوروبي، وصل إليه تكليف لتجتاحه مشاعر الخوف والتردد من جهة، وواجب العمل من باب المسئولية والأمانة العلمية، ليعيش على وقع أصوات التنفس الصناعي مواقف صعبة لا تمحى من ذاكرته.

الممرض أحمد برهوم (29 عامًا)، من مدينة رفح، ويعمل في مستشفى غزة الأوروبي منذ عام 2015م بقسم العناية المركزة.

منذ بداية التحاقه بقسم العناية في أواخر شهر آب (أغسطس) الماضي الخوف لم يفارقه من خطر الإصابة، فأي خطأ أو سهو في أثناء تعامله مع المصابين والمرضى قد يعرضه للإصابة بكورونا.

ويقول لصحيفة "فلسطين": "نقص المعلومات عن طبيعة الفيروس يشعرني كأني أسير في طريق مجهول، ونقود مركبًا لا نعرف أين وجهته، رغم أني تعاملت في ظروف صعبة كعدوان الاحتلال وما ينجم عنه من إصابات، حتى مسيرات العودة، ولكن الإصابة والجرح النازف أمامك، أما الإصابة بالفيروس فهي مجهولة تفتك بالجهاز الداخلي بصمت".

يعمل برهوم بصمت وبأنفاس مختنقة بين أسرّة المصابين بكورونا، ويسمع دوي أصوات الأجهزة الطبية التي تعنى بالعلامات الحيوية للمريض، "ولكن أكثر ما يؤلمني هو أن أغلب المصابين من كبار السن في أجيال والدي، يشتكون من ضغط كمامات الأكسجين العالي، فهي تضغط على الوجه وتسبب تقرحات، ولا أستطيع مساعدتهم لكونها هي التي تنقذ حياتهم من التدهور".

ويوضح أن العناية المركزة هي القسم الرئيس للمصابين بفيروس كورونا لكونه يتوغل داخل الرئتين بصمت، فيحافظ طاقم طبي في القسم على مجرى الهواء مفتوحًا، وذلك يحتاج لعاملين ذوي خبرة لكونهم يتعاملون مع مرضى تحت التنفس الصناعي والتخدير.

على وجه السرعة استدعي برهوم بعد قدوم مصاب جديد بالفيروس في حالة حرجة، فلم يتردد بذهنه إلا ذلك القسم بأن يكون في خدمة شعبه، ولذلك لم يسمح للخوف أن يتسلل إلى قلبه، "سأعمل بكل قوة لإنقاذ حياة المريض رغم أن وضعه صعب جدًّا، فوُضِع على جهاز التنفس الصناعي، وعُرفت بعض المعلومات الأساسية عن الحالة، ولكن الوضع كان خارجًا عن السيطرة، حاولت مع الفريق الطبي كثيرًا، فصوت إنذار الجهاز بتوقف القلب أربكني، عملنا إنعاشًا قلبيًّا ورئويًّا، ولكن لا فائدة قدر الله نافذ، فارق الحياة، كانت صدمة على نفسي بموت أول حالة أتعامل معها".

ويشير إلى أن العمل في العناية المركزة كان صعبًا بسبب طبيعة الوضع، حيث يعيش في تشتت وخوف، على نفسه وأهله في بيته، ووسواس اللبس الواقي إذا انكشف شيء منه، وتعامله مع مرضى من مسافة صفر، ومخالطته زملاء مصابين، ولكن الجميل في الأمر أن روح المساعدة بين الأطقم الطبية موجودة.

والمؤلم في ذلك أنه بعد قضاء برهوم 14 يومًا في أروقة العناية المركزة عليه أن يقضي مثلها في الحجر الصحي، للتحقق من عدم إصابته، وهو ما يحرمه أهله وذويه الذين بصعوبة استطاع إقناعهم بأن عليه أداء مسئوليته المهنية تجاه المرضى.

وفي كل حالة ترد لقسم العناية المركزة تكون أمنيته أن يبث الأمل في نفوس ذويه، بصوت بائس يتابع: "ولكن -يا للأسف!- أغلبها حالات صعبة، فلا أستطيع أن أقوم بذلك، ولكن أحاول أن أقدم أفضل ما لدي لإنقاذهم من الفيروس".

ويبين أنه مع تغير نظام العمل إلى يومي، حرم أيضًا المشاركة الاجتماعية لعائلته، فبعد انتهاء دوامه عليه أن يأخذ بإجراءات السلامة والوقاية حتى لا يكون ناقلًا للعدوى، هذا إلى جانب نظرة بعض أفراد المجتمع لكونه عاملًا في المجال الطبي.

باتت ذاكرته لا تقوى على تخزين تلك المواقف التي تحدث أمام ناظريه، ولكنها تحدث شرخًا وأثرًا صعبًا في نفسه يستمران أيامًا ثم يتلافاهما ليتمكن من استكمال مهمته، وفي كل مرة تتحسن الحالة، وقبل أن تنُقل إلى قسم آخر قد تتدهور، والمتهم تلك السلسلة المفقودة من الفيروس حيث تهتك أنسجة الرئتين بصمت.

ويسرد برهوم موقفًا آخر أثر في نفسه "لسيدة مصابة بوضع حرج، نقلت لها العدوى من طريق ابنها دون دراية منه، كان يأتيها يومًا تلو الآخر ليطلب منها السماح، ويحدثها ويرجوها ذلك وهي غائبة عن الوعي"، وآخر "لابن تألم على فراق والده ولم يستوعب صدمة موته، فبعد وفاته ونقله إلى ثلاجات الموتى عاد إلى قسم العناية وكأنه لا يصدق ما حدث، لذلك لا بد من اتخاذ الإجراءات الصارمة فيما يتعلق بالسلامة والوقاية".

ويواجه هو والعاملون في الكادر الطبي ضغط العمل، والإرهاق الجسدي، والتأثر النفسي، خاصة مع الروتين اليومي الذي يعيش فيه حالة تتحسن وأخرى تسوء، فالعمل مع هذا الفيروس صعب، ويختلف كليًّا عن أي وضع مر به قطاع غزة.