الإمارات و(إسرائيل).. تطبيع رياضي شديد البشاعة

...

ما فعلته وتفعله دولة الإمارات ليس مجرد تطبيع روتيني أو تقليدي مع (إسرائيل)، كما النموذجين المصري والأردني مثلًا، وإنما تحالفٌ يطاول المجالات والمستويات كافة، السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والرياضية. وقياسًا للمدة منذ الإعلان عن التطبيع - التحالف قبل أربعة شهور، تبدو القيادة الإماراتية مسعورة ومنفلتة باتجاه العلاقة مع (إسرائيل)، متخطية كل الحواجز والمعايير السياسية والأخلاقية، كما رأينا في شراء بضائع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وترويجها، والانخراط في مشاريع استعمارية في القدس والضفة الغربية واتفاقية رفع التأشيرات مع عشرات الرحلات الجوية الأسبوعية بين البلدين، والاحتفاء المتزلّف والمبالغ فيه بالإسرائيليين في الإمارات. وأخيرًا، صفقة شراء رجل الأعمال وأحد أفراد الأسرة الحاكمة، حمد بن خليفة آل نهيان، نادي بيتار القدس لكرة القدم، النادي الأكثر عنصرية وتطرّفًا وتعصبًا في (إسرائيل). وهي صفقة تتجاوز الرياضة بالتأكيد، ولها أبعاد ودلالات متعدّدة، وربما يحتاج المرء فعلًا إلى أن يفرك عينيه، ليتأكد إذا ما كانت القصة جدّية أو مجرّد مزحة "سخيفة" كما كتبت عن حق صحيفة هآرتس، الأربعاء 9 ديسمبر/ كانون الأول الجاري.

قبل الحديث عن النادي والقدس المحتلة، لنتحدث أولًا عن بيتار، مؤسسة الشبيبة التي كانت تابعة تاريخيًّا للمنظمتين الصهيونيتين المتطرِّفتين، أيتسل وليحي، ومنظِّريها زئيف جابوتنسكي ومناحيم بيغن، وخروج حزب الليكود وبقية الأحزاب اليمينية المتطرِّفة من رحمها. المنظمات الأكثر دموية وتطرُّفًا، والتي ارتكبت جرائم حرب موصوفة بحق الفلسطينيين، وحتى البريطانيين والمسؤولين الأمميين، وكان قادتها مطلوبين للعدالة الدولية، كما حصل مع إسحاق شامير مثلًا وبيغن نفسه.

كان جابوتنسكي صاحب نظرية الجدار الحديدي مع العرب، المتضمنة بناء جدار صلب قوي ومتين سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا يصدّ العرب، إلى أن يتملَّكهم اليأس، ويستسلموا لفكرة وجود (إسرائيل)، بكل دمويتها وعنصريتها، وعدم شرعيتها. وقد حدّث النظرية نفسها بنيامين نتنياهو بعبارة السلام مقابل السلام التي يردّدها دائمًا في سياق التفاخر بالتطبيع -التحالف مع الإمارات، القائم على قوة (إسرائيل) وخضوع أعدائها وخصومها لها من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلاتٍ من وجهة نظره عبر الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وفق قاعدة الأرض مقابل السلام التي استندت إليها عملية التسوية المعاصرة "على علاتها"، منذ "كامب ديفيد" إلى مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو.

أما القدس فهي المدينة الفلسطينية العربية المحتلة، قبلة المسلمين الأولى وقيامة السيد المسيح التي تعتبرها (إسرائيل) عاصمتها الأبدية الموحدة، والتي قرّرت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الاعتراف بذلك عمليًا، بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ثم ضمنت الأمر في "صفقة القرن" لترامب التي أيّدتها ودعمتها دولة الإمارات منذ اللحظات الأولى، على الرغم من أنها خطة موصوفة لتصفية القضية الفلسطينية وإزالتها عن جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

وفي ما يخص بيتار النادي، فقد كان تاريخيًا نادي الليكود والمتطرّفين مقابل نوادي مكابي حيفا وتل أبيب التي شجّعها وأيّدها حزب العمل واليساريون بشكل عام (مكابي هي منظمة الشبيبة لحزب ماباي العمل لاحقًا)، وهو أي بيتار يعد النادي الأكثر تطرُّفًا وعنصرية في الدولة العبرية، إلى درجة أن بعض قادة الليكود والمسؤولين الإسرائيليين نأوا بأنفسهم أحيانًا، ولو نفاقًا، عن تصرّفات جمهوره بشكل عام، ورابطة مشجّعيه "لا فاميليا" بشكل خاص التي تضمنت إساءات متكرّرة للعرب والمسلمين والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ورفض انتداب أي لاعب عربي أو مسلم في صفوفه، تطبيقًا لقاعدتهم العنصرية "طاهر إلى الأبد"، إلى درجة أنهم أقاموا الدنيا وأثاروا ضجة كبيرة عند تفكير إدارة النادي في انتداب لاعب نيجيري مسلم، اسمه محمد علي، وطالبوا بتغيير اسمه لقبوله لاعبًا في ناديهم، كما رفضوا انتداب لاعبٍ آخر من الشيشان لكونه مسلما أيضًا، مع أنه يحمل الجنسية الروسية. وتعتدي رابطة مشجّعي النادي بمنهجية وبشكل متواصل، ليس فقط على مشجّعي الأندية العربية في المدرّجات والملاعب، وإنما على العرب بشكل عام في القدس المحتلة، حيث تمارس العربدة في الشوارع ومحطات المواصلات بعد مباريات الفريق.

هذه هي الخلفية التاريخية الفكرية السياسية والرياضية للنادي الذي قرّر (رجل الأعمال) حمد بن خليفة آل نهيان المنتمي للعائلة الحاكمة شراءه والاستثمار فيه بمئات ملايين الشواكل. تحدث متفاخرًا ومتباهيًا بالصفقة، ووصف المدينة المقدّسة بعاصمة (إسرائيل)، الأمر الذي يؤكّد ليس فقط سوء النية والتهافت الإماراتي وإنما الإطار والجوهر السياسي للعلاقات والاستثمارات الاقتصادية بشكل عام، والصفقة المذكورة بشكل خاص. وقد قال محمد نجل حمد بن خليفة آل نهيان، والذي سيكون عضوًا في إدارة "بيتار القدس"، إنه يفكر باستقدام لاعبين إماراتيين للعب في النادي الأكثر عنصرية وتطرّفًا، وحتمًا سيسمعون ويرون بأنفسهم، صحبة المالك الجديد وابنه، الشتائم بحق العرب والمسلمين، بمن فيهم الإماراتيون أيضًا.

ومن الأهمية بمكان ملاحظة ردّ فعل رابطة المشجعين "لافاميليا" على صفقة شراء آل نهيان لنصف أسهم النادي، حيث خطت على سور ملعب النادي عباراتٍ مسيئة للإمارات والملاك الجدد، ورافضة صفقة بيع النادي، ثم اعتدت الجمعة 10 ديسمبر على مشجعين أيّدوا صفقة البيع، أو الاستثمار للدقة، لكون آل نهيان سيمتلك نصف أسهم النادي فقط.

كتبت صحيفة هآرتس العبرية إن من العادة أن تحضر في الاستثمار الرياضي الخشية أو الهواجس من التأثير على هوية النادي أو تغييرها من الملاك الجدد، وهذا كان مثلًا سبب رفض مشجعي مانشستر يونايتد صفقة بيع النادي العريق لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان. أما في حالة "بيتار القدس"، فتمنت "هآرتس" العكس، أي أن يكون للبيع تأثير على هوية "بيتار" وممارسات وتصرّفات رابطة مشجّعيه، وهو الأمر الذي لن يحدث على الأغلب، ولا يملك احتمالًا جدّيًا في ظل الانبطاح الإماراتي الرسمي من قيادة محمد بن زايد وأذرعها الإعلامية والاقتصادية والرياضية.

من هذه الزاوية تحديدًا، يجب أن نتذكّر أن التطبيع -التحالف الإماراتي الإسرائيلي يتم استنادًا إلى قاعدة الجدار الحديدي، وقوة (إسرائيل) التي أجبرت أعداءها أو الخصوم (مجازًا) على إبرام اتفاقات "الاستسلام" معها، حسب تعبير تلميذ جابوتنسكي رئيس الوزراء الحالي، بنيامين نتنياهو، وصفقة شراء "بيتار القدس" والاعتراف بمسرى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقيامة السيد المسيح عيسى عليه السلام، عاصمة لـ(إسرائيل)، يختصر القصة كلها، تمامًا كما استثمار الإمارات في مشروع وادي الجوز الاستيطاني التهويدي في قلب القدس القديمة، وشراء بضائع المستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1967، باعتبارها جزءا من الدولة العبرية، ما يتعارض مع الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام، وحتى مع الخطابات اللغوية الفارغة للمسؤولين الإماراتيين عن دعم الفلسطينيين لنيل حقوقهم الوطنية المشروعة في السيادة والاستقلال وتقرير المصير.

المصدر / ماجد عزام - العربي الجديد