قره باغ.. انتصار أذري تركي حاسم وتراجع للدور الإسرائيلي

...

حققت أذربيجان انتصاراً سياسياً وعسكرياً حاسماً على أرمينيا في حرب قره باغ الأخيرة. الانتصار تحقق أساساً بفضل الإرادة الأذرية الصلبة، والدعم الحاسم سياسياً وعسكرياً لتركيا أيضاً، ما أكّد حضورها الراسخ في المنطقة، كما تبدّى في اتفاق وقف إطلاق النار الذي كرّس كذلك نفوذ روسيا في منطقة تعتبر تاريخياً ضمن محيطها الجيوبوليتيكي المباشر، في ظل علاقاتها الجيدة مع الطرفين أو بالأحرى الأطراف الثلاثة.

إلا أن ما لا يقل أهمية عن ذلك ليس فقط تراجع الحضور الأمريكي والأوروبي، تحديداً الفرنسي، مع انتهاء عمل مجموعة مينسك المعنية بحلّ أزمة قره باغ، وإنما تراجع الدور والحضور الإسرائيلي الذي سيتآكل ويضمحل مع الزمن سياسياً وحتى عسكرياً، كونه ببساطة يتناسب عكسياً مع الحضور التركي المتزايد في أذربيجان والمنطقة بشكل عام.

لا بد من التأكيد على أن الانتصار تحقق بسواعد أذرية وإصرار على القتال والتضحية، وعدم التنازل عن حقوق أذربيجان المشروعة في الإقليم وبقية الأراضي المحتلة، بعدما جرى الاستعداد جيداً للمعركة عسكرياً وسياسياً عبر الانفتاح على الجهود السياسية لتطبيق الشرعية الدولية وضبط النفس تجاه الاستفزازات والتحرّشات الأرمنية في تموز/ يوليو الماضي، ثم الرد عسكرياً على استفزازات أيلول/ سبتمبر بشكل مفاجئ ومنظّم لم يتوقعه القادة الأرمن المتغطرسون والمتوهمون، رغم موازين القوى العسكرية المختلة ضدهم لصالح أذربيجان التي نجحت في تحرير نصف أراضيها المحتلة وإبداء الانفتاح على الاقتراح الروسي للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار من موقع قوة، مع الحصول على مطالبهم المشروعة سلماً بعد موافقة أرمينيا المكتوبة على الانسحاب من كافة الأراضي الأذرية المحتلة.

قادة أذربيجان تصرفوا بثقة وفهموا ما استوعبه جيداً رئيس الوزراء الأرمني في تبرير الاستسلام، حيث أن مواصلة الحرب كانت ستؤدي إلى تحرير كامل المناطق الأذرية المحتلة مع سحق المحتلين والمرتزقة في قره باغ وحتى الجيش الأرمني نفسه.

الانتصار تحقق كذلك بفضل الحضور التركي سياسياً وعسكرياً أيضاً، إلى جانب القضية العادلة للشعب الأذري.

الحضور السياسي التركي كان قد بدا باكراً جداً بأذربيجان عند استقلالها في أوائل تسعينيات القرن الماضي، لكنه تناسب طردياً مع سيرورة قيام تركيا الجديدة الذي كان الرئيس الراحل تورغوت أوزال رحمه الله أحد بُناتها، لذلك لم يكن غريباً أن يكون أول من زار باكو بعد الاستقلال معلناً عن إقامة علاقات دبلوماسية معها، غير أن تعثر السيرورة بعد وفاة اغتيال أوزال، ثم الانقلاب على رئيس الوزراء نجم الدين أربكان رحمه الله، انعكس على العلاقات بين البلدين، وهكذا احتاج الأمر إلى عشرين سنة تقريباً بعدما تم استئناف سيرورة تأسيس تركيا الجديدة مع الرئيس رجب طيب أردوغان، للتوصل إلى معاهدة تعاون استراتيجي (2010) وضعت قاعدة صلبة للعلاقات بين الجانبين بكافة مستوياتها، بما فيها العسكري طبعاً.

سياسياً؛ وقفت تركيا بقوة إلى جانب أذربيجان أثناء الحرب الأخيرة التي استمرت شهر ونصف تقريباً، وأبدت انفتاحا دائما على الخيار السياسي، ولكن شرط تطبيق الشرعية الدولية وإبداء أرمينيا استعدادها للانسحاب من الأراضي الأذرية المحتلة.

الحضور العسكري التركي كان تعبيرا كذلك عن العلاقات الراسخة التي أخذت طابعا استراتيجيا خلال السنوات العشر الأخيرة، وتمثل بإجراء مناورات وتدريبات المشتركة، وتزويد أنقرة لباكو بمعدات عسكرية كانت في أمسّ الحاجة إليها، خاصة الطائرات المسيّرة (بيرقدار وأخواتها) التي حسمت المعركة فعلاً مع وجود خبراء ومستشارين عسكريين أتراك قاموا بدورهم بشكل معلن وشرعي وقانوني، كما أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً.

ببساطة كانت تركيا القوة الأبرز إلى جانب أذربيجان في الميدان، وكل ما يقال بسذاجة واستسهال أو سوء نية وخبث عن الدور والحضور الإسرائيليين هدف إلى تشوية القضية والمعركة الأذرية العادلة، وتبرير الانحياز الأيديولوجي "الأقلوي" الأعمى إلى جانب المحتلين الأرمن، وفي سياق النيل من الحضور والدور التركيين في أذربيجان والمنطقة عمومًا.

اتفاق وقف إطلاق النار أكد المعطيات السابقة مجتمعة عبر تكريس الحضور التركي في غرفة المراقبة المشتركة مع روسيا للإشراف على وقف النار، كما التطبيق النزيه والأمين للاتفاق ككل، بما في ذلك الانسحاب الأرمني من بقية الأراضي المحتلة أو الانتحار في حالة التعنت بالتطبيق، حسب التعبير الحرفي للرئيس بوتين أيضاً.

الاتفاق أكد طبعاً دور روسياً في المنطقة، علماً أنها تمتع بعلاقات جيدة مع الطرفين وتملك معاهدة دفاع مشترك مع أرمينيا. والموقف الروسي كان مركزيا أيضاً لجهة رفض التدخل إلى جانب أرمينيا، كون المعركة لا تدور على أراضيها، وتقبّل وتفهّم مواقف أذربيجان المستندة أصلاً إلى الشرعية والدولية، كما إلى وثائق وأرشيف الاتحاد السوفييتي السابق الذي ورثته روسيا.

اتفاق وقف إطلاق النار أكد من جهة أخرى انهيار أو انتهاء عمل مجموعة مينسك ورئاستها المشتركة. ويمكن أن نتحدث الآن عن مجموعة موسكو- أنقرة مع الانتباه إلى أن مينسك كان تضم أصلاً 11 دولة بما فيها تركيا، لكن تم تهميشها لصالح الرئاسة المشتركة الثلاثية الأمريكية والفرنسية والروسية؛ التي عجزت عن حلّ المشكلة طوال ثلاثة عقود تقريباً.

انتهاء مجموعة مينسك يمثل مصلحة روسية لجهة استبعاد أمريكا، ومصلحة تركية لجهة استبعاد فرنسا وبدرجة أقل أمريكا، مع احتمال امتداد الأدوار الإقليمية للمجموعة الجديدة (موسكو- أنقرة) إلى ملفات أخرى بالمنطقة.

وبالعودة إلى الدور الإسرائيلي، ثمة كلام كثير يجب أن يقال؛ بدايته أن لا ذكر أبداً لـ"إسرائيل" في ترتيبات وقف إطلاق النار، ما يمثلا تعبيرا مباشرا عن غيابها في الحرب الأخيرة والمنطقة بشكل عام.

"إسرائيل" صمتت سياسياً وبشكل تام، ولم يصدر موقف رسمي أبداً من "تل أبيب" تجاه الحرب وحتى لو بنظرة عامة تجاه كيفية تسوية الصراع، كما أعلنت دول كثيرة عبر العالم.

لا يمكن طبعاً إنكار وجود علاقات أذرية إسرائيلية تأخذ أبعادا مختلفة سياسية اقتصادية وعسكرية، دون أن يصل الأمر إلى التحالف. وفي البعد العسكري تحديداً الذي ينال الاهتمام، اعتمدت أذربيجان بعد استقلالها على "إسرائيل" كمزوّد رئيسي للأسلحة مقابل تصدير النفط لها، وعلاقات سياسية تخفف عزلتها في مواجهة أرمينيا ولوبياتها حول العالم.

لكن خلال الحرب الأخيرة لم يكن هناك حضور نوعي للأسلحة الإسرائيلية، حتى أن الطائرات المسيّرة التركية وليس الإسرائيلية هي التي حسمت المعركة، بإجماع معلّقين وخبراء ووسائل إعلامية عالمية عديدة. بالتأكيد لم يكن هناك تواجد ميداني لخبراء إسرائيليين إلى جانب الجيش الأذري، وطبعاً لا حضور لإسرائيليين في اتفاق وقف إطلاق النار.

قال السفير الأرميني في تل أبيب عند اندلاع الحرب إنه حصل على وعد إسرائيلي بوقف إرسال الأسلحة إلى أذربيجان. ومع حدوث ذلك أو بدونه، فالأكيد أن الحضور الإسرائيلي سيتضاءل مع الوقت بموازاة زيادة وتيرة استيراد الأسلحة والمعدات من تركيا، وعدم الحاجة إلى أسلحة ثقيلة وتقليدية إسرائيلية، كما أكدت مجريات وخلاصات المعركة الأخيرة التي حسمتها الطائرات المسيّرة التركية والأسلحة النوعية والذكية بشكل عام.

طبعاً، ستستمر العلاقات الأذرية الإسرائيلية العادية جداً، سياسياً واقتصادياً وبدرجة أقل عسكرياً لكنها، لم ولن تصل أبداً إلى درجة التحالف، مع الانتباه إلى حقيقة عدم وجود سفارة أذرية في تل أبيب رغم وجود سفارة إسرائيلية في باكو.

في النهاية وباختصار، سيتناسب الدور الإسرائيلي عكسياً مع الدور التركي وتطور العلاقات التي تلامس درجة التحالف بين تركيا وأذربيجان، والحضور التركي المتعاظم يخصم بالضرورة من الحضور والتأثير الإسرائيلي في أذربيجان والمنطقة بشكل عام.

المصدر / ماجد عزام - عربي 21