إعادة تدوير بغرض التذكير

في ما يأتي إفادة شاهد من أهلها، سمع بها وقرأها كثيرون قبل أكثر من خمسة أعوام، ولكن المناخ العام الراهن يستوجب الاطلاع عليها مجددا ومرارا وتكرارا، فبعد أن كاد يصبح التطبيع مع "إسرائيل" موضة عام 2020، تروج لها كتائب من الـ"مُبَرِّراتية"، فقد يجدي أن يأتي الرد على هواة التطبيع من شخص من قلب المؤسسة الإسرائيلية.

في نيسان (أبريل) من عام 2015 ألقى الصحفي الإسرائيلي المرموق جدعون ليفي محاضرة في "نادي الصحافة الوطني" في العاصمة الأمريكية واشنطن، استهلها بقوله: "مع أصدقاء مثلكم، لا تحتاج إسرائيل إلى أعداء".

وشرح كيف أن الدعم الأمريكي يغذي آلة البطش الإسرائيلية، ويجعل "إسرائيل" تسدر في غيها، ثم شرح كيف أنه لولا اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، "لكانت كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" اليوم مكانين أفضل للعيش، وأكثر عدلاً".

ويشبه ليفي تدفق العون الأمريكي السخي على الابن الضال (إسرائيل) بمن له قريب أو صديق يدمن المخدرات. فتكون هناك طريقتان للتعامل معه، "إحداهما أن تزوده بالنقود، وسوف يذهب ويشتري المزيد من المخدرات.

وسيكون في غاية الامتنان لك، وسيعتبرك أفضل صديق، والثانية هي أن ترسله إلى مركز لإعادة التأهيل. وسوف يغضب منك. مع أن ذلك تعبير عن الاهتمام والحب الحقيقيين"، ويضيف ليفي: "هل لدى أحد في هذه القاعة أدنى شك بأن إسرائيل مدمنةٌ احتلال، ومع هذا تخرق واشنطن القانون الدولي والإنساني وتساعد إسرائيل في إشباع ادمانها؟".

ويقدم ليفي لجمهور المستمعين أمثلة كثيرة على أن المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة إنكار وانقطاع صلة بالواقع بسبب تعرضه لغسل أدمغة عبر السنين، وأنه لا أمل في أن يعالج ذلك المجتمع الاختلالات التي يعاني منها بأن يرى دولته على حقيقتها، ويستنكر "من ثم كيف تعامل حكومته من يعيشون في الفناء الخلفي المحتل".

يقول ليفي: "إن المجتمع الإسرائيلي فقد الصلة تماماً بالبيئة العالمية"، ثم يتساءل: "هل يصدقون أن 5 ملايين يهودي يعرفون أفضل من ستة مليارات إنسان في العالم؟ وأن 5 ملايين يهودي سيستطيعون مواصلة العيش بالسيف إلى الأبد؟ هل هناك مثال واحد في التاريخ، عن إمبراطورية تماسكت بحد السيف إلى الأبد؟".

ويرى ليفي أنه برغم كل ادعاءات "إسرائيل" عن قوتها وقدراتها الخارقة فإنها تعيش في هلع دائم، ولهذا أحاط المجتمع الإسرائيلي نفسه بالدروع والجدران المادية والعقلية أيضاً، بعد أن تم إيهام أفراد ذلك المجتمع بأنهم الشعب المختار ولهم الحق في فعل كل شيء، "وإذا كنا نحن الشعب المختار، فإن لنا الحق بأن نفعل ما نشاء" ولهذا يقول ليفي إنه وعلى بشاعة ما ترتكبه "إسرائيل" بحق الفلسطينيين، فإنها تمثل على الدوام دور الضحية قليلة الحيلة.

وبرغم الحرص على استعراض القوة وإظهار الجيش والمخابرات الإسرائيلية كقوتين عاليتي الكفاءة إلا أن "إسرائيل" في تقدير ليفي هي أكثر الأماكن في العالم خطورة على اليهود. وعن دعوة حكام "إسرائيل" ليهود العالم للقدوم إلى "إسرائيل" طلبا للأمان في الوقت الذي يقولون فيه إن بلادهم في خطر وجودي بسبب القنبلة الإيرانية، يتساءل ليفي: "كيف تجرؤ على أن تدعو اليهود إلى القدوم للانضمام إلى هذا المشروع الانتحاري، عندما سيقوم الإيرانيون بقصفنا بالقنبلة؟".

وينعى ليفي ما يسميه بالقيم الأكثر خطورة على الإطلاق على "إسرائيل" وعلى رأسها النزع المنهجي للإنسانية عن الفلسطينيين، ويقول إن الإسرائيليين بوجه عام لا يعاملون الفلسطينيين ككائنات بشرية، ويشرح كيف أنه كتب ذات مرة "إننا نعامل الفلسطينيين مثل الحيوانات..

وتلقيت الكثير جداً من رسائل الاحتجاج من منظمات حقوق الحيوان"، ثم يروي واقعة سؤاله خلال مقابلة صحفية رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك عما كيف كان سيتصرف لو ولد فلسطينيا، فكان جواب باراك "كنتُ سأنضم إلى منظمة إرهابية".

نص محاضرة ليفي هذا موجود في يوتيوب، وحرصت على إيرادها هنا في موسم الهجرة إلى "إسرائيل"، لأقول لمن يبررون تلك الهجرة، إن التطبيع معها قضية أخلاقية قبل أن تكون سياسية أو دبلوماسية؛ إنها أمر يتعلق بالحس الإنساني السليم، ولا يتعلق فقط بكون "المُطَبِّع" عربيا أو مسلما، فلا يجوز التباكي على مصائر الروهينغيا في ميانمار والإيغور في الصين، ويكون الفلسطينيون وهم أكثر شعوب الأرض تعرضا للبطش والعسف نسيا منسيا.

فانطلاقا من مواقف أخلاقية وقفت كافة شعوب الأرض مع حق الفيتناميين في الخلاص من حكم الدخلاء عليهم (الفرنسيين ثم الأمريكان)، وناصرت جميع شعوب الأرض الأفارقة في جنوب أفريقيا في معركتهم للخلاص من نظام عنصري بغيض باطش نجم عن استعمار استيطاني، وناصر فرنسيون الجزائريين في معركتهم لإبطال مسعى فرنسا لجعل الجزائر فرنسية، والشواهد كثيرة على أن نصرة الشعوب المستضعفة لا تقوم على حسابات ربح المناصرين (بكسر الصاد) أو خسارتهم بل على الحق والقيم الإنسانية.

ولهذا كانت محاولة إعادة تدوير قسم من محاضرة جدعون ليفي آنفة الذكر، من باب "فذكِّر إن نفعت الذكرى"..