غاب 50 يومًا عن عائلته

الطبيب "الخياط".. يعيد حياكة الأمل على أسرَّة "العناية"

...
غزة- يحيى اليعقوبي:

"بتعدي يا دكتور ولا بتعديش؟".. بقلب هش ينهشه الخوف والقلق يساوره من كل اتجاه وجانب، يسأل زوج مريضة دخلت غرفة العناية للتو الطبيب؛ الزوج والأطفال المصابون بفيروس كورونا يشاهدون أمهم من خلف زجاج غرفة العناية المركزة بمستشفى غزة الأوروبي، ينظرون إلى والدتهم التي "تلتقط أنفاسها الأخيرة!"، كما ظنوا.

الطبيب تامر الخياط (31 عامًا) يجيب الأب محاولًا تهدئته ومسح الخوف من قلبه، وتجفيف بعض من دموع الفراق التي سالت على خده قبل أوانها: "إن شاء الله بتعدي؛ احنا بنعمل اللي علينا".

تمر الأيام، وتسوء الحالة، أسبوعان مضت والأطباء يحاولون بكل جهد عدم خسارة المرحلة الفاصلة، على شباك الزجاج لا يخلو المشهد كل يوم من نظرة مترعة بحزن يعتمل قلوب أطفالها وزوجها، تلهج ألسنته بالدعاء، لم يكترثوا لحالتهم، يرقبون النهاية.

لا ينسى الطبيب الخياط ما حصل: "حققنا إنجازًا كبيرًا في علاج السيدة، وربما كان الإنجاز الأفضل خلال فترة وجودي، فكانت على حافة الموت، وتدخل رئيس القسم، ووضعناها على جهاز يعتبر حلقة وصل مع جهاز التنفس الصناعي، لكنه يدعم تنفس المصاب من نفسه، ثم تحسنت حالتها، وبدأت تعتمد على نفسها أكثر في التنفس، وعادت الفرحة إلى أطفالها وزوجها وكأن الروح ردت إليهم".

يسترجع الخياط ذكريات الفترة الأولى في عمله قبل انتقاله، طالت خلاله ابتسامة صوته نافضا عنها لحظات الخوف التي رافقته آنذاك: "في شهر مارس/ آذار 2020م، استدعيت للعمل في مستشفى العزل بمعبر رفح؛ تلك الفترة كانت بها رهبة أكثر من الفترة الحالية رغم أن الأوضاع أخطر الآن"؛ كما يصفها.

يتوقف عند أول حالتين تعامل معهما لمسنين عادا من باكستان: "أبلغنا بأن حالتين مصابتين قادمتان إلينا (...) الوضع المقلق أنهما كانا كبيرين في السن، لكن تفاجأنا بعدم وجود أي أعراض تذكر فأُخرِجا من المشفى متعافين".

"طبعا؛ اخْترنا في الدفعة الأولى، بدأ الأمر بأن كل مشفى رشح طبيبا، فرشحني مستشفى غزة الأوروبي الذي عملت به على مدار أربعة أعوام، وقبل وصول الحالتين السابقتين كنا نذهب على أنه نظام سيناريو أو مناورة، الأهل لم يعارضوا الأمر فوالدي طبيب عناية مركزة مثلي، وزوجتي طبيبة نساء وولادة".. ومن هنا انطلق في رحلة علاج المصابين.

يربط بين فترتي كورونا: "في أزمة الجائحة الأولى كنت أذهب كطبيب احتياطي للتدخل حينما تظهر أعراض ويتطلب عناية مركزة، أما بأزمة الجائحة الحالية فعلا عملنا بجد واجتهاد".

الجولة الثانية.. "الضغط"

يدخل المشفى الذي عمل به طويلا، وكأنه بمكان يجهله، فكل شيء اعتاده من نظام العمل بمستشفى غزة الأوروبي جنوب قطاع غزة تغير؛ ويبدأ مهمته بموقف صعب، أم سبعينية مصابة بفيروس كورونا وحالتها حرجة وتعاني من ضيق تنفس فوضعها الأطباء على جهاز التنفس، وابنها على مشارف نهاية الأربعينات مصاب أيضا، يتلقيان العناية المكثفة، الابن قلق على أمه: "دكتور بس بدي اشوفها وأروح عندها"، لقي طلبه معارضة الطبيب: "الوضع خطر، وأنت حالتك أيضا ليست مستقرة، فايش بدك تعرف أو تسأل احنا بنوصللها".

طبيب العناية معرض لرؤية كل شيء، حتى الأنفاس الأخيرة، المشهد هنا مختلف: "جاء مريض في أواخر السبعينات، يعاني من فشل كلوي، وضعناه على جهاز تنفس وجهاز لغسل الكلى، وبالعادة هذه الحالات التي يجتمع فيها المرض مع كبر السن تكون معرضة للوفاة، وفي يوم ساءت حالته وبدأ قلبه بالتوقف، حاولنا علاجه لساعة إلا أنه فقد حياته".

يوم آخر، أبلغ الأطباء عن وصول مريض (26 عاما)، تغالبه تنهيدة ألم ترحم قبلها على الشاب علاء السحباني الذي توفي قبل أيام اثر اصابته بالفيروس، قائلا: "دخل قسم العناية ويعاني مرض السكري منذ صغره ولديه مرض بالكلى، وحدث معه ارتفاع في ضغط الدم، وكانت مشكلته الأساسية أن الكلى لا تدر البول، ولم يكن لديه أعراض للفيروس".

يستذكر الطبيب تلك اللحظات وصوته يقطر بالحزن: "تحسنت حالة علاء حتى أنه هو من طلب الخروج من العناية (...) في المرة الثانية حدثت لديه انتكاسة وظهرت أعراض إصابته بالفيروس؛ وكانت الأعراض شديدة وحالته خطرة، في هذه المرة ما زلت أتذكر كلماته لي: "أنا يا دكتور شكلي هذه المرة مش حشوف مرتي وأولادي بعد هيك"، وبدأت حالته تسوء، فأحضرنا له شقيقه المصاب بالفيروس ليكون بقربه".

"أنهيت خدمتي وخرجت من المشفى لمركز الحجر، وبعد أيام وصلني خبر وفاته، حزنت عليه وكنت أتمنى أن يتماثل للشفاء وشعرت بخيبة أمل".

قد تمحو بعض الإنجازات وتعافي بعض المرضى الذين على حافة الخطر أو الانتكاسة، غصة الحزن التي يعيشها الأطباء داخل غرفة العناية على وقع مشهد وفاة علاء، يستحضر مشهدًا عاش تفاصيله.