السودان أمام شروط.. ولا ضمانات!

هل تكون السودان الدولة العربية الثالثة على طريق التطبيع مع (إسرائيل) بعد الإمارات العربية ومملكة البحرين؟! ثمة مصادر إعلامية متعددة تؤكد موافقة الخرطوم بقيادة المجلس العسكري الانتقالي على التطبيع. المتحدث العسكري قال: نحن نتحدث عن علاقات دبلوماسية، ولا نتحدث عن تطبيع! وأكاد لا أفهم الفرق بين الأمرين، فقمة التطبيع هي إقامة العلاقات الدبلوماسية، والعلاقات الدبلوماسية تقوم على الاعتراف المتبادل، والتعامل الثنائي بحسب المصالح، ويشمل التجارة، والصناعة، والسياحة وتبادل الخبرات، وتعزيز الاستثمارات، وخلاف ذلك. أنا لا أجد فرقا بين علاقات دبلوماسية متبادلة، ومدلولات التطبيع.

نعود ونعدل السؤال: هل سيقيم السودان علاقات دبلوماسية مع تل أبيب؟! الجواب يملكه ثلاثة أطراف. الطرف الأول: قادة السودان من عسكريين ومدنيين، وهؤلاء ما زالوا مختلفين فيما بينهم، فريق يرى فيه فرصة لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأميركية، وتطبيع العلاقات مع واشنطن، وفريق يرى في الشروط الأميركية على التطبيع ما لا يمكن القبول به، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الأحزاب السودانية ترفض التطبيع، وربما تتخذه أداة لهدم القيادة العسكرية وتجريمها، لا سيما أن هذه الأحزاب تتشكك في جدوى ومصداقية الفوائد العائدة على السودان.

والطرف الثاني هو البيت الأبيض ودرجة تمسكه بالشروط الخمسين إلا ثلاثة، كما نشر بعضها الإعلام، وعلق عليها المفكر الكويتي عبد الله النفيسي. ومن هذه الشروط طرد الصين من السودان، وإقامة قاعدة أميركية في السودان، ولا أظن أن الشعب السوداني يمكن أن يقبل بهذين الشرطين، ناهيك عن بقية الشروط. وفي ظني أن السودان لم يحصل على ضمانات أميركية قوية لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب فور تبادل السفراء، ولم يحصل السودان على ضمانات إماراتية أو سعودية لتمويل عجز الموازنة السعودية، وإقامة استثمارات كبيرة في السودان، ونحن نعلم مدى الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها السودان مؤخرا، حيث لم تتمكن الحكومة من توفير حاجة المواطنين اليومية من الخبز!

والطرف الثالث هو الشعب السوداني الذي عاش عقودا على رفض (إسرائيل)، وكراهيتها لاحتلالها فلسطين والقدس، وتاريخ الأحزاب السودانية قائم على تأييد النضال الفلسطيني، وفلسطين هي عامل مشترك بين الشعب والأحزاب، والسودان مهما قلنا في الحكم العسكري يبقى لديه مستوى لا بأس به من الديمقراطية، والجدل السياسي والإعلامي، وجل الشعب السوداني يشتغل بالسياسة يوميا، وهو لا يخضع لرؤية قادته كما يخضع أهل الخليج مثلا.

أنا شخصيا أرى أن السودان لن يكون الدولة الثالثة، لا سيما أن شروط أميركا عليه ثقيلة، وربما تكون الدولة الثالثة دولة بعيدة عن السودان. هذا وإن تجربة البلدان الإفريقية مع تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) تجربة شبه فاشلة، فلم تحصل البلدان الإفريقية على ما كانت تتوهم أنها ستحصل عليه من المصالح من (إسرائيل ومن أميركا).