تقرير نيران الاحتلال تسرق من أطفال أحياء القدس الطمأنينة

...
صورة أرشيفية
القدس المحتلة-غزة/ جمال غيث

كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة والنصف حينما دق جرس الباب في ذلك المساء المشؤوم لتُبلغ عائلة جودة بإصابة طفلها بطلق إسرائيلي استقر في رأسه.

هرعت العائلة مسرعة لتجد "أمير" (15 عامًا) ملقًى على الأرض فاقدًا للوعي ومضرجًا بدمائه، بعد إطلاق قوات الاحتلال رصاصة استقرت في رأسه.

ولم يكن أمير، الذي يسكن مع عائلته في بلدة حزما شمال شرق القدس المحتلة، يعلم أن خروجه للعب مع أقرانه كرة القدم، مساء يوم الأحد الـ4 من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، سيكون الأخير قبل إصابته.

ومن على أسرة العلاج في مستشفى "إتش كلينك" التخصصي، في مدينة البيرة بالضفة الغربية المحتلة، بدا "أمير" شاحب الوجه وغير قادر على النطق أو الارتكاز على رجله اليمنى نتيجة الطلق الذي استقر في رأسه وأدى لتهتك عظام الجمجمة وتسببت في نزيف داخلي فقد في إثرها القدرة على النطق.

ووصف طلال جودة، عم الطفل، إصابة ابن شقيقه بالقاتلة وتمت عن سبق إصرار حيث كانت أجواء المنطقة هادئة ولم تكن تشهد أي أنواع من الاشتباكات.

ويشير إلى أن مجندة إسرائيلية هي من أطلقت النار على الطفل، مدللًا على ذلك بعد حضورها في اليوم التالي للمكان وسألت عن مصير الطفل الذي تعرض لإطلاق النار وقالت: "إنها كانت بحالة غضب عندما أطلقت النار".

وحمل جودة، قوات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة الطفل، الذي لم يرتكب أي جرم يذكر، داعيًا العالم لتحمل مسؤولياته وإجبار الاحتلال على وقف جرائمه بحق المقدسيين وخاصة الأطفال.

و"أمير" ليس الحالة الأولى ولن يكون الأخير الذي يتعرض لإطلاق نار متعمد من قوات الاحتلال، وسبقه نحو عشرات المصابين، والشهداء، إلى جانب الأسرى، وفق مركز معلومات وادي حلوة، الذي أكد لصحيفة "فلسطين" أن الاحتلال يمارس معهم كل أشكال التعذيب النفسي، والجسدي، بهدف الحصول على اعترافات ليحاكمهم.

إطلاق متعمد

ولا تختلف الحال كثيرًا عن الطفل مالك عيسى (9 أعوام)، الذي أصيب برصاصة إسرائيلية في عينه اليسرى، في أثناء عودته من مدرسته في حي وادي الجوز إلى بلدته العيساوية مع شقيقاته الثلاث، في السادس من شباط/ فبراير الماضي.

ويوضح وائل سوسن عيسى، والد الطفل لصحيفة "فلسطين"، أنه بعد رحلة علاجية تخللها أربع عمليات جراحية كان أصعبها استئصال العين المصابة في عملية استغرقت ساعات واجه فيها الأطباء صعوبة في السيطرة على النزيف في أثناء ترميم التهتك الحاصل في منطقة الجبين.

ويشير إلى أنه طلب من الأطباء إبقاء العين مكانها كي لا يتشوه وجه "مالك" لكنهم أكدوا أن ذلك سيعرض عينه اليمنى لضرر الكبير، مبينًا أن الاحتلال تعمد إطلاق الرصاص على ابنه بشكل مباشر في أثناء نزوله من حافلة المدرسة أمام المنزل.

ويؤكد أن استهدف ابنه كان عن قصد حيث كان المكان خاليا من المواجهات ولا مبرر لإطلاق النار، "وما جرى لا يعبر سوى عن حقد جنود الاحتلال واستهتارهم بحياة الفلسطينيين خاصة الأطفال منهم"، داعيًا العالم للوقوف عند مسؤولياته بتوفير الحماية الدولية للأطفال ومحاسبة جيش الاحتلال على جرائمه المرتكبة.

قوة مفرطة

من جهته أكد مدير برنامج المساءلة في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال عايد أبو قطيش، أن أطفال فلسطين خاصة سكان مدينة القدس يتعرضون لسوء معاملة وتعذيب على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة الاعتقال والتحقيق معهم.

وأوضح أبو قطيش لصحيفة "فلسطين" أن الانتهاكات التي يتعرض لها أطفال القدس هدفها السيطرة والإخضاع للأوامر الإسرائيلية.

وشدد على عدم التزام سلطات الاحتلال القانون الدولي، ومخالفتها القانون الإسرائيلي باعتقال الأطفال والتحقيق معهم دون حضور مرافق للطفل والاعتداء عليهم جسديًا ومعنويًا، وممارسة مختلف أشكال التعذيب بحقهم لنزع اعتراف على أشياء لم يرتكبوها.

وقال أبو قطيش: "لا يجوز احتجاز الأطفال إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية ممكنة، ويجب ألا يتعرض الطفل للتعذيب أو سوء المعاملة تحت أي ظرف من الظروف"، مستدركًا: "رغم ذلك نرى الأطفال يعانون عامًا بعد عام وعلى نطاق واسع، من ضروب التعذيب والحرمان المنهجي من معايير المحاكمة العادلة من قبل قوات الاحتلال".

وأكد أن قوات الاحتلال مستمرة في استخدام القوة المفرطة والرصاص الحي ضد الأطفال الفلسطينيين واستهدافهم بشكل متعمد، مرجعًا ذلك إلى انتشار ثقافة الإفلات من العقاب في أوساط جنود الاحتلال وعلمهم المسبق أنهم لن يحاسبوا على أفعالهم مهما كانت النتيجة.

وذكر أنه وفقًا للوائح جيش الاحتلال الإسرائيلي الخاصة، يجب ألا تستخدم الذخيرة الحية إلا في ظروف تشكل تهديدًا قاتلًا بشكل مباشر للجندي، موضحًا أنه حتى الآن لا يوجد أدلة تشير إلى أن الأطفال الذين استشهدوا بالرصاص الحي منذ بداية العام الجاري كانوا يشكلون مثل هذا التهديد وقت إطلاق النار عليهم.

وبين أن حركته عملت على إطلاع المؤسسات والجهات المعنية بالطفولة حول العالم لإدانة الاحتلال ووقف الجرائم التي تمارسها بحق الأطفال وخاصة أطفال مدينة القدس.