المصادر ألف - عبقرية المبادرة

...
وليد خالد

تحدث الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن الفرق بين العبقري والنابغة وكان يتحدث عن الأدب، وهو ما ينطبق على كل حالة فقال – في معنى ما قال-: العبقري هو الذي يشق الطريق البكر فيسبق سواه مبادرة وإبداعا ثم إن النابغة هو الذي ينبغ بعده فيسير على خطاه غير أنه وإن كان لا يستطيع بلوغ إنجاز العبقري، فإنه لا يخطئ أخطاءه إذ يتعلم من أخطائه، أما العبقري فلأنه يشق الطريق لأول مرة فإنه قد يخطئ أخطاء يتجنبها من يأتي بعده. سئل البحتري عن شعره وشعر المتنبي فقال: جيده خير من جيدي ورديئي أفضل من رديئه. فالمتنبي عبقري والبحتري نابغة. والبحتري لم يخطئ أخطاء المتنبي لكنه أيضا لم يبلغ روعته. انتهى كلام الطنطاوي رحمه الله.

وإن كان العباقرة والنابغون يوجدون في أي موقع وأي تخصص وأي مجال، فإنك قلما تجد العبقري النابغة الذي يشق الطريق الجديد ثم تراه يقتحمه بكل ثقة وروية ومعرفة لمسالكه، فكأنما سار على خطى من سبقوه غير أنه الأول الذي لم يسبقه أحد!

من وقت غير طويل انطلقت مبادرة (نشرة المصادر) تقتحم الطريق البكر وتشق خطاها ليضرب لها بسهم في ميدان الإعلام المتخصص في قراءة العدو، وعبر وجبات يومية خفيفة كاملة الدسم غنية الفيتامينات صارت مع الأيام الوجبة التي ينتظرها ولا يستغني عنها كل راغب بمعرفة ما يدور وراء أسوار العدو. ومع النشرة رقم (1000) يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

1/ روح المبادرة التي ميزت النشرة، القادمة من فكرة تقديم مادة يومية مركزة من إعلام العدو تختصر مشهده واهتمامات رأيه العام ورأي قادته والتحولات في ساحته، مع تعليقات ضرورية لها طابع التحليل لمزيد من تسليط الضوء على واقع العدو. وكل ذلك يقدّم لقادة الفكر والرأي والمؤثرين والمهتمين بشكل يومي، ما يشكل رافدا مهما لكل مهتم بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

2/ جودة المضمون والمحتوى بشهادة المختصين والمراقبين، ما أعطى النشرة مصداقية تزداد باضطراد، وذلك رغم محدودية الفترة التي انطلقت فيها، وتوفر عدد لا بأس به من الصفحات والمواقع التي تهتم بأخبار العدو ترجمة وتحليلا، غير أن نشرة المصادر شقت طريقها المتميز نحو السبق والريادة بشكل لافت يحسب لأصحابها.

3/ إبداعية الفكرة (التلخيص والتركيز)، حيث لمست النشرة حاجة معظم الناس اليوم للوجبات السريعة المركزة، فقدمت لهم ما يحتاجون دون أن يمس ذلك بجودة المحتوى وإتقان المضمون.

4/ فإذا أضفت إلى ذلك كله أن هذا الجهد اللافت، وهذه المبادرة الريادية، لا يصدرها مركز أبحاث ولا يتجشم عناء المتابعة والرصد والترجمة فيها موظفون متفرغون لديهم رواتبهم وامتيازاتهم. بل إن ذلك كله جهد يصدر رغم القيود!! نعم رغم القيود حيث أجواء التفتيش والملاحقة والرصد وعدم الاستقرار فضلا عن الضيق ومحدودية الإمكانات وتراكم عدد من الصعوبات والعوائق لا يعرفها على وجه الحقيقة إلا من عاشها، ومع ذلك فالنشرة لم تتأخر ولم يتأثر مضمونها يوما.. إذا أضفنا هذه الأرضية السابقة أدركنا أننا أمام عمل بطولي بامتياز ويستحق الإشادة والتقدير. وفي هذا ما فيه من رسائل ملهمة ومحفزة حول مفاهيم المبادرة وتحويل المخاطر والتحديات إلى فرص، وحفر الصخر وصناعة الأمل من قلب اليأس، وعدم الاستسلام للظرف القاهر، وما شئت من معاني التحدي والإرادة والعزم والإيجابية..

وعلى أي حال فإن من يعرف الإخوة القائمين على هذه المبادرة الرائدة، ويعلم تاريخهم المبدع يوم كانوا قادة العمل الطلابي في الجامعات، والجهادي في ميدان المقاومة، والريادي في التنظيم والتعليم والمواجهة لإدارة السجون، في محطات السجون المختلفة منذ أكثر من ربع قرن اغتالت فيها القضبان أعمارهم وشبابهم ونضارتهم، لكنها وقفت صاغرة عاجزة عن أن تقتحم أسوار كبرياء أرواحهم ومعنوياتهم وإراداتهم، فألقت قبعتها وراء هذه الأسوار المنيعة وأعلنت التقهقر والاستسلام.

إنه بمعرفة مثل هذا التاريخ المقتحم والمبادر يزول بعض العجب أن يصدر هذا التميز عن أولئك القادة المبدعين، جزاهم الله خيرا، وأعز شعبنا بحريتهم ليواصلوا من مواقع القيادة مع إخوانهم مشوار التحرير. وما ذلك على الله بعزيز.

مزيدا من العطاء والتميز والإبداع، نحو إعلام هادف يساهم في معركة الوعي والتحرير.