هل وقعت (إسرائيل) في مصيدة التطبيع؟

التطبيع مع العدو الإسرائيلي شرٌّ مطلق، ولكن قد يكون بعض الخير في الشر، ونحن لا ندري، لذلك قد يكون التطبيع بين المحتل الإسرائيلي ودولة الإمارات ودولة البحرين ومن سبقها من دول، قد يكون خيراً للأمة، وفيه انكشاف للغمة، وقد يكون التحاق بعض الدول العربية الأخرى بالتطبيع بعد أيام بشرى خير لمستقبل الأجيال، ونداء عاجلاً للعمل الجاد الذي يخلصنا من دولة قامت على اغتصاب الأرض وسحق كرامة الإنسان.

بعض الخير يتمثل في انكشاف سوأة النظام العربي، وانفضاح أمره العاجز عن فعل شيء ضد الاحتلال، ولصالح الإنسان العربي، فقد سبق وأن ذكر الرئيس الأمريكي أن الدول العربية تطالب بدولة فلسطينية عبر الإعلام، ولكنهم ضد هذا المطلب في السر، لذلك قد يسهم التطبيع المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي في انجلاء المشهد، وفضح المستور الذي انخدعت به الجماهير العربية سنوات، وهذا كله  في صالح القضية الفلسطينية، التي صار على قيادتها تحديد المسار بدقة، وأن تحدد موقفاً ثابتاً من الاحتلال الإسرائيلي، وسبل مواجهته عمليا.

وقد يكون بعض الخير في انتقال عدوى الخيبة والفشل الذي ضربت أطنابها في بلاد العرب إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، فمن الجريمة أن تظل الشعوب العربية تعاني استبداد الحاكم، وتسلط المسؤول، والتفرد بالقرار دون أن تصدر هذا الفيروس إلى القيادة الإسرائيلية، الأكثر احتكاكاً وتواصلاً مع القيادات العربية، مع تأكيد الفوارق المجتمعية، فالاستبداد في بلاد العرب وجد لها مرتعاً خصباً، وأمسى جاهزاً للقطاف والتصدير إلى من يطبع معهم.

وقد يكون بعض الخير في الانقسام الذي انتقل من ساحة العرب إلى ساحة الإسرائيليين، فإنكار الآخر، والتمسك بالرأي، والتطرف في المواقف، والتشدد ضد نصف المجتمع، حتى أن الفصل بين المرأة والرجل في الحافلات بات سمة للمجتمع الإسرائيلي، وكأنهم ينقلون عن العرب، أو يقلدون، ويأخذون أسوأ طباع استوردتها الأنظمة العربية من أوحش دكتاتوريات الأرض.

وقد يكون بعض الخير في فساد الحاكم، فقد تجرأ قادة إسرائيل على المال العام، ووجهت لأكثر من رئيس وزراء تهمة الفساد، وصدرت أحكام ضد أكثر من رئيس دولة ووزير بالسجن بتهمة التحرش، أو إساءة الأمانة، أو الفساد، وفي هذا اتباع لنهج الحاكم العربي، الذي صار هو الوطن، وهو المتصرف الوحيد في شؤون البلاد.

وقد يكون بعض الخير في التطبيع حين تعجز دولة إسرائيل الديمقراطية عن الاستقرار السياسي، وعن الوصول إلى حكومة تتآلف من حولها الأحزاب بعد ثلاث جولات انتخابية في غضون عدة أشهر، في مشهد يعكس رداءة الأوضاع الحزبية الإسرائيلية التي تحاكي مثيلتها في بلاد العرب، وإن لم يكن بالمستوى نفسه، فالدول العربية لا تُجارَى بانعدام الديمقراطية.

وقد يكون بعض الخير في اطمئنان الإسرائيلي على نفسه ومستقبله من خلال التطبيع، وهذا الشعور بالنصر والأمن والتفوق قد يدفع الإسرائيليين إلى المزيد من التطرف، والكشف عما في صدورهم من أطماع، التي سيربك ظهورها الحتمي هذا المشهد التمثيلي القائم على التطبيع.

ولكن الخير الأعم  من التطبيع مع الدول العربية والتقارب معها يتمثل في الوقوع في المحذور، فقد سبق وأن اتفق حكماء إسرائيل قبل مئة سنة على قواعد العمل الأساسي للحفاظ على دولتهم من الزوال، وأهم هذه القواعد تتمثل في التحذير من الارتباط مع الشرق، وعدم الصداقة مع الدول العربية، وعدم التطبيع معها، وذلك يرجع لأسباب تاريخية، فحين قرأ المؤسسون الأوائل لدولة إسرائيل أسباب هزيمة الصليبيين، توصلوا إلى استنتاج يفيد بأن انقطاع الصليبيين عن إخوانهم في الغرب، وارتباطهم بأهل الشرق، سكان البلاد الأصليين، واعتمادهم عليهم في الحياة، كان من أهم الأسباب التي مكنت صلاح الدين الأيوبي من الانتصار عليهم، واقتلاعهم من الشرق، لذلك كانت توصية الأوائل لمن سيأتي من بعدهم بأن تحافظ إسرائيل على علاقة متينة مع الغرب، وألا ترتبط بتطبيع استراتيجي مع المحيط العربي.

في أحد خطاباته القومية قال رئيس الكنيست السابق إبراهام بورغ: "علينا أن نبني بيننا وبينهم جداراً لا يعبره الطير، وإن لم نفعل ذلك، فليجهز كل منا جواز سفره الأجنبي".

فهل بعد معاهدات السلام مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وبعد التطبيع مع الإمارات والبحرين، حان الموعد لأن يجهز الإسرائيليون جواز السفر الأجنبي للرحيل، أم أنهم بحاجة إلى المزيد من المطبعين العرب؟