عبق الشهادة من عُرض البحر

آه موجوعة موجِعة ندَّت عن غزة فجر يوم الجمعة المنصرم، بعد أن ركب ثلاثة من أبنائها البحر، وانسابوا في عرضه يطاردون الرزق الذي ضاقت منافذه في هذه البقعة المكبَّلة منذ أمد بعيد، وماذا يفعلون هم وغيرهم ممن يعيشون في قطاع غزة تحت حصار خانق؟!

ليست هذه هي الصرخة الأولى، ولن تكون الأخيرة في مسلسل من الانتهاكات والاستخفاف بحياة الفلسطينيين ما يزال مستمرًا منذ عام 2006م، غزة العزة والكرامة والشرف والإباء، صاحبة البطولات الحقيقية، والوحيدة التي تُربك حسابات العدو وتُعرِّفه قدره الحقيقي، كما إنها الوحيدة التي فهمت حقيقية ما يجري وتعلمت الدرس ومضت توظف إمكاناتها وخبراتها للكسب في معترك السياسة القذر الذي أُجبرت على خوضه رغمًا عنها.

ترتجف يدي وأنا أكتب عن وجع غزة وآهاتها، ولا تغادر ذهني صور الدمار والدماء، وتقفز إلى وعيي صور الأشقاء الصيادين الثلاثة أبناء عائلة الزعزوع الذين خرجوا في الصباح بخير وعافية، دون أن يعودوا في المساء، وفي اليوم التالي نفاجأ جميعًا باثنين منهم يعودان محمولين على الأكتاف، جثتاهما ملفوفتان ببلاستيك أسود سميك، أعجز عن التعبير عن مدى القهر الذي يجتاح نفسي ويُحكم قبضته على روحي أمام ما أراه بأم عيني!

وأحار: ماذا أقول؟!، كيف أُقدم المواساة للحبيبة غزة؟!، ماذا أقول لأم الشهيدين وبقية ذويهم؟!، هل أقول إن الأمة كل أمة العرب قد خذلتكم، ولا يعرف مقدار الأذى الذي يسببه ظلم ذوي القربي إلا من عاينه وخبره بنفسه؟!، إنه الأكثر وجعًا وفتكًا بالنفس الإنسانية، تراه يحزُّ روحك من الوريد إلى الوريد دون أن يطرف له جفن، تتوقع منه أن يكون سندك وعونك وتظن أنه من يمكنك أن تميل عليه حين تُغلق كل الأبواب في وجهك ويطاردك الجوع ويعضك الحصار، فإذا هو يشرِّع سلاحه في وجهك دون خجل.

فإلى متى، إلى متى سيبقى الليث الجسور مسجونًا محصورًا مجوَّعًا في حين الكلاب النابحة تسرح وتمرح وتجوس خلال ديارنا من المحيط إلى الخليج بحرِّية تامة؟!، هل مات الشرفاء منا؟!، هل اندثر الأحرار من بيننا؟!، هل فقدوا أصواتهم وقدرتهم على الكلام؟!، هل كُسرت أقلامهم؟!، هل نفدت ذخيرتهم؟!

طغت رائحة الشهادة على كل شيء في غزة، واصطبغ كل شيء برائحة الدماء الزكية ولونها القاني، الأرواح محمولة على الأكف والأصابع تضغط على الزناد، والأجساد تُنهك في حفر الأنفاق وفي تجارب الإعداد للمعارك القادمة، وشذى النصر يعبق في الأفق، فرب العالمين لا يخذل عباده الصالحين، ممن لبوا النداء ومضوا يعدُّون ما استطاعوا من قوة ورباط الخيل، يرهبون به عدو الله وعدوهم.

أحاول درء دموعي ومنعها، ولكنها تندفع رغمًا عني بغزارة وأنا أشاهد غزة تشتري الكرامة والعزة بأرواح أبنائها وجوع صغارها وحرمان نسائها، وبقية العرب يتفرجون، وبكل ما يملكون يشترون اتفاقيات العار، اتفاقيات التطبيع مع الكيان الغاصب المحتل، ويسعون لكسب رضاه.

أغبطكما يا شهيدي آل الزعزوع، يا من مضيتما في درب الشهادة، وأغبط غيركما ممن يحمل روحه على كفه وينتظر بصدق، نغبطكما على ما ينتظركما عند رب كريم يحبُّ الشهداء ويكرم مثواهم، يا حبَّذا الجنة واقترابها *** طيبةٌ وباردٌ شرابها، فأنتما قد ربِحتما البيع ورب الكعبة، وهل من بيع أعظم من ذلك؟!، أنتما اشتريتما الآخرة، وكثيرون غيركم اشتروا عرض الحياة الدنيا بمتاع قليل، فهنيئًا لكما وهنيئًا لأهلكما على صبرهم وتقديمهم أغلى ما يملكون، وهنيئًا لغزة الثبات على الحق في وقت عزَّ فيه السائرون في درب الحق!