"محمد أبو الأعور".. طبيب لم يسعفه الوقت لتحقيق الأمنية الأخيرة للمريض

...
غزة - يحيى اليعقوبي:

في العناية المركزة؛ إشارة طبية وصلت للطبيب محمد أبو الأعور بوجود حالة لرجل عمره (53) عامًا ومصاب بفيروس "كورونا" ويعاني مرض "السكري"، حينما انتصف الليل عند الثانية عشرة، ارتدى الطبيب الملابس الوقائية وقد استغرقت وقتًا منه، وعلى الفور وضع الأطباء وصلات الأجهزة الطبية، المريض طلب الحديث هاتفيًّا مع أهله بعد ساعة من وصوله.

"الآن نصف الليل، بكرة بتتحسن وبتكلمهم الصبح"، وغفا المريض متشوقًا لطمأنة أهله، حتى انتهى (شفت) الطبيب "أبو الأعور"، وجاء طبيب آخر حتى انقلبت الأمور "رأسًا على عقب" فجأة في الصباح وتدهورت حالة المريض.

وضعه الأطباء على جهاز التنفس "الاصطناعي" وبقي ثلاثة أيام على هذا الشيء، حتى توفي مودعًا الدنيا، ولم يستطع سماع صوت عائلته وحديثهم.

في داخل قسم العناية المركزة، أحد الأقسام الأكثر حساسية داخل المستشفيات، يدنو الطبيب أبو الأعور وزملاؤه، من المريض خلال عملية وصل أنبوب تنفس اصطناعي، فيكون وجهه قريبًا جدًّا من المريض، معه يكون قريبًا من الخطر، ومن "المسافة صفر" يواجه خطر انتقال العدوى إليه.

تأجيل ورحيل

"من المشاهد الصعبة داخل غرف العناية حينما كنت أعمل مع مريض، وشعرت بالاختناق بسبب اللبس الواقي المضاعف الذي كنت أرتديه (...) شعرت أنني أريد الذهاب إلى الباب واستنشاق نفس هواء" يستهل الطبيب حديثه مع صحيفة "فلسطين"، علمًا أنه يعمل طبيب عناية مركزة بمستشفى شهداء الأقصى في المحافظة الوسطى، وانتدب للعمل بمستشفى غزة الأوروبي للعمل فيه مدة 14 يومًا، وكان نظام العمل (24 ساعة مقابل راحة يومين).

لكن هنا، كان الشيء مختلفًا، يعلق على المريض الذي توفي: "كان أصعب المواقف التي واجهتني، أراد محادثة أهله هاتفيًّا، لكننا أجلناه إلى الصباح، فلم يكن له نصيب أن يتحدث مع أهله".

يعمل الطبيب أبو الأعور بمستشفى شهداء الأقصى منذ عام 2013م، والمفترض أن يذهب للتعامل مع المرضى المحجورين العائدين من الخارج في شهر أيار (مايو) الماضي، وتظهر عليهم علامات الإصابة بفيروس "كورونا"، لكن ظروفه العائلية وضعت حاجزًا أمامه، فوالده مريض "كلى"، والطبيب هو من يذهب معه إلى المشفى في كل جلسات غسل الكلى.

يستدرك: "حينما اشتدت الأمور في غزة مع زيادة ظهور حالات الإصابة بالفيروس داخل المجتمع، لبيت نداء "الوطن"، ووكلت أخي بنقل أبي للمشفى، رغم معاناته السكر والضغط وأمراض القلب وحاجته الماسة لي".

بداية العمل

كان الطبيب أبو الأعور من أوائل الأطباء المنتدبين لمستشفى غزة الأوروبي، ضمن فريق المجموعة الأولى لأطباء العناية، يقول عن بداية العمل: "حينما ذهبنا لمستشفى غزة الأوروبي لم يكن كل شيء جاهز بنسبة 100%، لكن بدأت أمور السكن تتحسن، وفضلنا العمل 24 ساعة داخل غرفة العناية وراحة يومين، لتخفيف مدة الاختلاط بالمصابين والتنقل بين سكن الأطباء وغرف المرضى".

في أول يوم له؛ وصلت حالة مصابة لمسنة طرقت باب الـ70 عامًا، وتعاني "السكر والضغط" مصابة بالفيروس؛ ظل أبو الأعور والطاقم الطبي يراقبون حالتها على مدار الوقت، خشية أي انتكاسة مفاجأة، "هناك منطقة آمنة داخل غرف العناية، نستطيع الجلوس فيها وحينما نريد الدخول على المريض نرتدي الملابس الواقية، منها ثلاثة أغطية على الوجه".

كل هذه الأغطية لن تذهب الخوف والحذر من قلب الأطباء؛ خشية انتقال العدوى إليهم، فأي خسارة هنا تسبب إرباكًا للعمل، لأن الطاقم الطبي المخصص لعلاج مصابي فيروس "كورونا" خضع لدورات خاصة ومكثفة في طرق التعامل مع المرضى، والعلاج، وارتداء الأغطية الواقية.

روتين الطبيب اليومي داخل غرف العناية، يبدأ بالدخول على المرضى الساعة التاسعة صباحًا لسحب الفحوصات، وعمل "غازات الدم" وتغيير الإعدادات الخاصة بالجهاز التنفسي، على حسب الفحص اليومي، وإجراء أشعة صدرية للمريض.

بعد ساعة من العمل يخرج الأطباء من غرفة العناية، ويبدأ عامل التعقيم رشهم، ثم يستبدلون ثيابهم، ثم الدخول للاستحمام، ثم يعودون للإجراء نفسه والدخول على المرضى الساعة الرابعة عصرًا، واتباع إجراءات الخروج نفسها، وتكرار الأمر الساعة الحادية عشرة مساءً، إلا إذا حدث طارئ.