ماذا تبقى للفلسطينيين؟

فماذا تبقى للفلسطينيين بعد أن تخلت عنهم الكثير من الأنظمة العربية، واعترفت بـ"إسرائيل"، وبدأت معها حفل زفاف التطبيع؟ هل بمقدور الفلسطينيين فعل شيء في غياب الدعم الرسمي العربي، وفي زمن تغييب الجماهير العربية عن الفعل المؤثر في قرارات الأنظمة؟

على الفلسطينيين أن يلتفتوا لأنفسهم أولًا، فهم فوق الأرض المحتلة مخرزًا في عين الاحتلال، وهم الذين ما زالوا يقبضون على معظم الأرض في الضفة الغربية موئل الأطماع، وهم الأغلبية السكانية على أرض فلسطين السياسية، وهم الواقع الذي تعجز "إسرائيل" عن تخطيه أو تجاوزه حتى ولو وصلت في علاقتها الدبلوماسية مع الصين، وما وراء البحرين والمحيطات، فصاحب الأرض، وصاحب القضية، وصاحب القرار أقوى من كل الغرباء، وهو صاحب الرسالة لكل الشركاء في اللغة والتاريخ والمستقبل، والفلسطينيون هم الأقدر على قلب الطاولة، وفرض معادلتهم على الكبير قبل الصغير، ولكن ذلك قرين الفعل الميداني، والطرق الموجع على مفاصل المحتل الإسرائيلي، وذلك من خلال الخطوات الآتية:

أولًا: خلخلة الاستقرار الذي تستقوي فيه دولة الاحتلال، واستعانت به لتمرير مؤامرة التطبيع، وذلك من خلال البدء الفوري في المواجهات الميدانية مع جنود الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، وعدم قصر المهرجانات والمسيرات داخل المدن، فالخروج إلى الطرق الالتفافية للمستوطنين، وترك الشعب الفلسطيني يبدع أشكال مقاومته، لكفيل بأن يحدث المتغيرات الكبيرة؛ التي تربك المشهد الهادئ الذي تحرص علية دولة الاحتلال.

ثانيًا: لضمان نجاح الواجهات، ولتأكيد جدية الفلسطينيين في اتباع نهج جديد، لا بد من إلغاء اتفاقية أوسلو، وكل ما ترافق معها من معاهدات أو اتفاقيات، بما في ذلك حل السلطة الفلسطينية، وسحب الاعتراف الفلسطيني بدولة "إسرائيل"، واستقالة رئيس السلطة الفلسطينية، ومن أكثر المشجعين على التطبيع، فهو من دعا إلى زيارة القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي.

إن استقالة رئيس السلطة الفلسطينية لتشكل ضربة تحت الحزام لأمريكا و"إسرائيل"، وكل الأنظمة العربية اللاهثة خلف التطبيع، والذين اتخذوا من اتفاقية أوسلو ملاذًا، ومن سياسة السيد عباس ساترًا لممارسة كل الرذائل السياسية.

ثالثًا: وحتى لا تشكو الأرض المحتلة من الفراغ القيادي، يتم التوافق بين التنظيمات الكبيرة والمؤسسات الوطنية والدينية على مرجعية قيادية جديدة للقرار الفلسطيني، تحت مسمى قيادة مؤقتة، تضم أعضاء من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وآخرين ترضى عنهم التنظيمات غير المشاركة في منظمة التحرير، ليتم من خلال هذا الجمع تشكيل قيادة مكتب تنفيذي من ثلاثة أشخاص، ولفترة انتقالية، توكل لهم مهمة إدارة الشؤون الحياتية والنضالية للشعب الفلسطيني.

رابعًا، وكي تمارس القيادة الانتقالية دورها بأمانة ومسؤولية وكفاءة واقتدار، عليها الابتعاد عن السطوة الإسرائيلية وعربدة المحتلين، وذلك من خلال انتقال معظم كادر القيادة إلى غزة، ليستقل القرار الوطني الفلسطيني من التبعية، ويحتمي بإرادة الشعب بعيدًا عن تأثير وضغوط منسق شؤون المناطق الجنرال كميل أبو ركن، وبقية طواقم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

خامسًا: التسريع في عمل اللجان المشكلة من التنظيمات التي التقت في بيروت ورام الله قبل أيام، والتي كلفت الوصول إلى قواسم مشتركة لكل القضايا الخلافية، بما في ذلك البرنامج السياسي، والقيادة المشتركة، وإعادة ترتيب الأوضاع داخل منظمة التحرير، بحيث تكون الخيمة التي يستظل بنورها كل مقومات الشعب الفلسطيني.

سادسًا: إشراك الشعب الفلسطيني بكل فئاته وأطيافه في كل خطوة تصعيدية أو سياسية تنجم عن التطورات الميدانية، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تشكيل لجان أحياء في كل شارع وحارة، لتكون حلقة الوصل بين القيادة والمجتمع.

ما سبق من أفكار قد تشكل منطلقًا لاستكمال جلسات الحوار الوطني الفلسطيني، وقد تشكل قاعدة لحوار عاجل يصوب السهام إلى صدر الاحتلال، ويسهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من استقلالية القرار الفلسطيني، فلم يبقَ للفلسطينيين إلا أنفسهم، وجماهير الأمة العربية والإسلامية، فالتاريخ يشهد أن الذي يقف مع نفسه يجد كل سكان الأرض يصطفون إلى جانبه، والمواجهة هي محور الفعل الفلسطيني الذي يستنفر المحيط العربي والإسلامي، ويستفز الأعداء، ويرهق حساباتهم، ودون الفعل سيظل الأمر على ما هو عليه، وستظل الدنيا كلها مشدودة إلى صناع الحدث، مستهينة بمن يكتفي برد الفعل اللفظي على الحدث، وقد علمتنا تجارب الشعوب أن الذي يريد وطنًا لا ينام، وأن من يتحدى الظلم لا يضام.