أين يختبئ الناس في الظلام يا أمي؟!

لا تستطيع أن تتخلص من ذكريات أيام ماضية ما يزال رمادها يغطي ذكرياتها حين كانت بنتًا صغيرة بين أخوين يكبرانها، تقضي ليلها وحيدة بعد خروج والدتها للعمل الليلي يوميًّا، تشعر بالغربة، يجتاح الخوف والقلق والوساوس جنبات نفسها، تنهال عليها أسئلة كثيرة ولكنها تضطر إلى الصمت مرغمة.

- أمي، لماذا لا تبقين معي في البيت؟

- يجب أن أذهب لأحضر لكم نقودًا.

-أريدك أنت يا أمي، لا أريد النقود.

- وكيف سأشتري لك فستانًا تذهبين فيه لحضور عرس ابن خالك؟!، وكيف ستشترين الألوان البراقة والدفاتر الملونة والحقيبة الجميلة إن لم أذهب إلى العمل؟!، ومن سيحضر لنا الطعام وكل ما نحتاج؟!

- ما يحضره أخي أحمد يكفينا، لا أريد الفستان ولا ألوانًا أو دفاتر، لا أريد أي شيء، أريدك أنت فقط.

- راتب أحمد قليل لا يكفينا، وأنت تعلمين، والدك لا ينفق علينا نهائيًّا، لذا كوني بنتًا حكيمة وتعاوني معي وتحمَّلي مسؤولية نفسك.

اضطرت الصغيرة إلى الصمت، ضمت ذاتها داخل السرير وهي تلمح أمها تتزين وترتدي أجمل الثياب وتنظر لنفسها بإعجاب في المرآة، قالت لها الصغيرة وهي تهمُّ بالخروج: "أرجوك أمي، لا تتأخري، أنا أنتظرك".

قال الأم: "سأراك غدًا صباحًا، تصبحين على خير، نامي جيدًا".

خرجت وهي تحدث نفسها قائلة: "الحرية جميلة يا ابنتي، صحيح أني أتعب كثيرًا في عملي، ولكني أجد نفسي، ستفهمين ذلك عندما تكبرين".

لم ينم أحمد في تلك الليلة في البيت، ليست هذه هي المرة الأولى التي يفعلها، ففي كثير من الأحيان ما إن تخرج الأم حتى يخرج أحمد في إثرها ولا يعود إلا في صباح اليوم التالي، يطلب من أخته مارية أن تُبقي الأمر سرًّا بينهما مقابل بعض النقود والحلوى.

أما راضي فيبقى ساهرًا قبالة الحاسوب مرة وعلى ألعاب هاتفه الذكي مرة أخرى، تسمع الأغاني من غرفتها، تطلب منه إخفاض الصوت، ولكنه يأمرها ألا تزعجه، وبدلًا من ذلك يطلب منها أن تُغلق الباب على نفسها فلا يتسرب الصوت إليها.

في الليالي العاصفة والماطرة والمرعدة تستبدُّ بها المخاوف، تمضي شطرًا من الليل باكية مرعوبة، تخبر والدتها عن مخاوفها في الصباح، فتضحك منها قائلة: "ألن تكفي عن الدلع؟!، ألم تكبري بعد؟!".

تناهى إلى سمعها ذات أصيل حديث الجارات حينما كانت تلعب في الحي مع أميمة ابنة الجيران حين قالت أم سالم لأم محمود: "مسكينة مارية، تلعب ببراءة الأطفال ولا تدري ما الذي تفعله والدتها من وراء الجميع!".

- "يبدو أنك تخفين شيئًا مهمًّا عن جارتك الحبيبة يا أم سالم، أليس كذلك؟!" وغمزت بطرف عينها.

- "كل ما في الأمر أنني لا أحب الفضائح، ولا أحب تناول سيرة الناس".

- "هيا، قولي ماذا هناك؟".

- "شرع الناس يلوكون سيرة أم أحمد، فعملها الدائم في الورشة ليلًا في وسط الرجال وهي تضع عطورًا وألوانًا صارخة على وجهها، وترتدي أجمل الثياب التي تصف وتشف تفاصيل جسدها، ألا يثير ذلك الشبهات حولها، ويجلب لها القيل والقال في رأيك؟!".

- "ألا أزيدك من الشعر بيتًا؟!".

- "ماذا هناك؟، يبدو أنك تعرفين أشياء أخرى!".

- "سمعتهم يقولون إن لها علاقة مع أحد العمال الذين تعمل معهم، فقد شوهدت مرات عدة تخرج وتتمشى برفقته بعد انتهاء العمل وقبل عودتها للبيت".

لم تتوقف المرأتان إلى هنا، بل ابتعدتا إلى أكثر من ذلك، والصغيرة مارية تسمع ولكن دون أن تدرك كل ما يقال، شعرت بخطر كبير يتهددها عندما قالت إحداهن: "ويقولون إن زوجها سوف يقتلها إن علم بذلك".

فرَّت مارية الطفلة إلى البيت، انكفأت على نفسها في السرير تبكي دون أن تجد من يمسح دمعها، ويربت على كتفها، سمعت أصواتًا مخيفة، شاهدت خلف الزجاج ظل شبح يحاول فتح النافذة، مسها الرعب، صرخت بقوة وسقطت في أديم عميق لم تشفع لها طفولتها فيه.