الأسير ماهر يونس عدّوه خمسًا وأربعين ألف مرّة!

هل نتصوّر بشرا يبلغ الحقد في صدورهم الى درجة أن يطلقوا على انسان خمسا وأربعين الف رصاصة؟! وكان ذلك على مدار أربعين سنة، كلّ يوم ثلاث رصاصات على الأقلّ، مرّة صباحا، ومرة وسط الظهيرة، ومرة مساء. هذا العدّ الذي يمارسونه على أسيرنا دون كلل أو ملل. الرصاصة تنهي حياة انسان وتنقله الى عالم الغيب الذي نؤمن أنه شهادة وسعادة لمن هبّ منافحا عن وطنه وقضيته، إلا أن هذه الرصاصة تصيب عمق القلب وتضرب كلّ مناطق احساسه بالألم وتبقيه حيّا في سجونهم، كان المقرّر اعدام ماهر يونس وكريم يونس إلا أنهما قرّرا ابقاءهما على قيد الحياة ليمارسوا عليهما الإعدام في العام ما يزيد على الف مرّة. هذا العدّ هو الاقبح والاشنع والأكثر ألما وسحقا من كل أساليب القمع والتنكيل والعنت الذي يمارس على أسرانا في سجونهم ليل نهار.

ما يقارب الخمس وأربعين مرّة مارس العدوّ الصهيوني لعبته المفضلة على كل تفاصيل وتضاريس هذا الانسان الفلسطيني الحرّ الكريم الذي يسمّى ماهر يونس، العدد أشد ألما ومرارة من اطلاق رصاصة، أشدّ ألما من نزع الروح وسحبها من الجسد، لا شيء يؤلم أكثر من العدد في سجونهم، لا رداءة طعام ولا سوء تهوية ولا الحشر في زنازينهم باكتظاظ خلف جدران رطبة قارصة في الشتاء وقائظة في الصيف ولا قهر زيارة ولا تجارب أدوية وإهمال طبيّ متعمّد ولا قمع هراوة ولا ضخّ غاز عبر جرارهم لتجعل من زنازينهم فرن غاز ملتهبا، لا شيء أسوأ من هذا العدد الذي يريدون لك أن تنظر لنفسك أنك مجرّد رقم لا جذور له في الأرض ولا فروع له في السماء، إنما أنت رقم مجرّد لا معنى لك ولا طعم ولا لون ولا رائحة ولا قضية ولا وطن وحتى إنه من الممكن ألا يكون لك أمّ قد ولدتك، لذلك تراهم يرجعون الأم عن الزيارة بدعوى أنه لا إثبات لوجه القرابة بين هذا الرقم وأمه!  

ماهر يونس بهدوء سمته وعمق نظره وزهد لسانه إذ لا يقول كثيرا على عادة غيره من الاسرى، يلوذ في صمت عميق ليواجه ماكينة العذاب بصبر وإباء، يوجه حركة السجن بما تراكم لديه من خبرات وقدرات تجعله يقدّر الموقف فيطرح الرأي الرشيد. هو وإخوته من فلسطين المحتلة سنة ثمانية وأربعين لا يعرفون لغة عدوّهم فحسب وإنما يعرفون تفاصيل تفاصيل شئون عدوّهم، خبراء في نمط تفكير هذا السجّان وما يعتمل في صدره وكيف يتصرف وكيف يتخذ القرار، لذلك تجدهم يضعون النقاط على الحروف بكل براعة ودقّة. أذكر مرّة زارنا في عسقلان وفد من نواب الكنيست الإسرائيلي في غرفة زيارة الاهل ،وكان في حينها الذي يفصل الاسرى عن زوارهم في غرفة الزيارة شبك، وتعمّد أحد نوابهم ان يسلم على الاسرى بمدّ أصابعه من فتحات الشبك، عاد الاسرى يحدّثون ما جرى معهم وان أعضاء كنيست قد سلّموا على الاسرى من خلال فتحات الشبك، علّق أسرى فلسطين المحتلة سنة ثمانية وأربعين: هؤلاء يفحصون الشبك أمنيا ولم يسلّموا عليكم شعورا انسانيّا، وبالفعل بعد فترة وجيزة اتخذوا قرارا بتغيير الشبك الى زجاج وتركيب هواتف لتكون الزيارة من خلالها.

لا يسهل على المرء خاصة من كان أسيرا يوما ما أن يستوعب هذه السنوات التي تقارب الأربعين كيف مرّت من قلب وجسد وروح هذا الرجل العزيز الكريم، رجل بهذه الدرجة من العزة وعلوّ القامة لأنه انتصر لأعظم قضية في الوجود، ومن شعب أريد له أن يتلاشى ويذوب، وفي ظرف لم يكن سهلا أن ينظر أحد الى سيفه وليس أن يمتشقه ويشهره في وجه الطغاة، أن يكافح احتلالا غاشما ويقف وقفة عزّة وفداء حاملا روحه على كفّه ويتقدّم الصفوف مناضلا مجاهدا مع ثلّة قليلة بل نادرة تلك الأيام، وقت هزيمة الناس وانكسارهم يُقدم غير آبه بما ستكون عليه النتائج، فقط هناك واجب وهناك من يلبي النداء هذه هي المعادلة مهما كان الظرف ومهما كان عليه حال الناس، تتخطّاه الشهادة في الميدان وتتخطّاه الشهادة على حبال مشانقهم ليكون في هذا الخندق الملتهب والمتقدّم والملتحم دائما معهم في هذه السجون الغاشمة ووجها لوجه مع هذا العدّ المقيت صبحا وظهرا ومساء.

ماهر يونس قامة ليست فلسطينية بامتياز فحسب وانما قامة عالمية ترنو لها عيون كلّ الاحرار، تقف اللغة وتنحني له رافعة قبعتها لأنها تعجز عن الوفاء له ولو بجزء يسير مما يستحقّ، ولا يسعفه الآن إلا أحرار مثله في خنادق الكلّ يعلمها ليخرجوه عنوة من ضنك هذا العدّ المقيت وليعدّ هو بنفسه أيامه الباقيات في هذه الحياة دون عددهم اللئيم، انه يأمل وحقّ له أن يأمل أن يتحرّر من هذا الوباء وأن ينعم بأيام لا يصحو فيها على صوت هذا النعيق: عدد عدد.