وماذا لو أصبح التطبيع هو القاعدة؟

...
توفيق رباحي

ليس في اندفاع دولة الإمارات نحو التطبيع مع "إسرائيل" أيّ مفاجأة. كذلك ليس في تطبيع البحرين هي الأخرى (التي يبدو أنها كانت هدية من السعودية لـ"إسرائيل" والولايات المتحدة حتى تربح الرياض بعض الوقت وتتجنب الحرج ولو مؤقتا) أيّ مفاجأة. الأولى «طبّعت» لأنها تمتلك الجرأة والرغبة، والثانية «طبّعت» لأنها لا تملك قرارها.
كان السؤال خلال السنوات الأخيرة هو: «متى» ستطبّع الإمارات والبحرين علاقاتهما مع "إسرائيل"، وليس «هل» ستطبّعان.
إعلان الثالث عشر من شهر آب (أغسطس) الماضي عملت عليه الإمارات بجدية طيلة عشر سنوات أو أكثر، تركز الجهد حول إسقاط الحاجز النفسي تجاه "إسرائيل" وفق عمل مدروس عنوانه الإصرار والاستمرارية.
كانت العجلة تدور في صمت لكن بفعالية، إلى أن انتهت بالإعلان غير المفاجئ بإقامة علاقات ثنائية كاملة.
المفاجئ هو أن برمجة التطبيع زمنيا ليكون هدية انتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هدية أكبر من المناسبة، إذ كان في متناول الإماراتيين مساعدة ترامب بطرق أخرى، والاحتفاظ بورقة التطبيع للعبها في ظرف آخر أفضل.
المفاجئ أيضا ما تلى 13 آب (أغسطس): ذلك الاندفاع غير المسبوق من المسؤولين الإماراتيين نحو "إسرائيل"، واستعجالهم لتوقيع عدد كبير من الصفقات والاتفاقات في زمن قياسي. استعجل القادة الإماراتيون (ولا زالوا) ليبرهنوا لترامب أنهم «على أهل قدر العزم». واستعجلوا ليبعثوا لإيران رسالة تجعلها تعيد التفكير في وضعها بالمنطقة وعلاقتها بها. واستعجلوا، وهذا لا يقل أهمية، لأنهم واثقون من أن قادة عرب آخرين قادمون إلى عربة التطبيع قريبًا، فأرادوا أن يأخذوا مسافة نحو الأمام ليحتفظوا بالريادة في القرب من واشنطن وتل أبيب.
لا مكان للصدفة لِما نشهده هذه الأيام. ما يحدث الآن ليس نهاية المسار، بل منعرج هام في الطريق ستليه منعرجات أخرى لا تقل أهمية.
ما يحدث هذه الأيام (وسيحدث في المستقبل المنظور والبعيد) هو ثمرة وقائع وتراكمات عاشتها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (والخليج) خلال العقود الأخيرة، قلّما شهدتها منطقة أخرى في العالم. حتى لو لم تغيّر تلك الأحداث شكل المنطقة (حتى الآن على الأقل) إلا أنها غيّرت ملامحها وتركت فيها ندوبا لا تُمحى.

كانت هناك الحرب الإيرانية العراقية. ثم الاحتلال العراقي للكويت وحرب الخليج الأولى التي أعقبته. ثم حرب الاستنزاف التي مورست على العراق عسكريا واقتصاديا وعلميا. تلى ذلك هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي، رغم أن الولايات المتحدة كانت مسرحها، إلا أن ارتداداتها الحقيقية وفاتورتها الأكبر كانت في المنطقة العربية. ترتب عن ذلك احتلال الأمريكيين للعراق، وحرب على الإرهاب العالمي يبدو ألا نهاية لها. ثم ميلاد «داعش» بسرعة كبرى وغموض أكبر، واستيلائه على أجزاء من العراق بطريقة تشبه أفلام هوليوود. وسط كل ذلك شهدت العديد من الدول العربية ثورات داخلية أسقطت أنظمة ديكتاتورية فاشلة، لكنها (الثورات) سرعان ما تحوَّلت إلى كوابيس.
دفعت المنطقة العربية، بالجملة والتجزئة، ثمنا باهظا لهذه الأحداث. توزعت الفاتورة بين الشعوب بمستويات مختلفة، لكن جميع مجتمعات المنطقة دفعت، بشكل أو بآخر، ثمنا معينا.
من سخرية القدر أن الفلسطينيين، الذين لا دولة لهم إلا على الورق، هم الأكثر تأثرا ودفعوا الفاتورة الأكبر.
النتيجة الأخطر لتلك الأحداث كانت فقدان الدول العربية هامش الحركة والقدرة على التحكم في مصائرها، نظرا لواقع استراتيجي جديد تمثل في بروز قوى غير عربية تحكمت بحاضر ومستقبل شعوب المنطقة وحكامها. هذه القوى هي "إسرائيل" وتركيا وإيران. وجدت كلٌ من الدول الثلاث السبب والطريقة للظفر بنصيب من التأثير في المنطقة على حساب شعوبها. على اختلافها، اتفقت هذه الدول على تصفية حساباتها في الدول العربية، وفق الظرف والحاجة.
ثم تداخلت المصالح والعداوات فأصبحت القرارات الاستراتيجية التي يتخذها الحكام العرب، خصوصا القريبون من الحرائق، مرتبطة بشكل أو بآخر بإحدى هذه الدول الثلاث أو كلها: السعودية تدمّر اليمن بذريعة إيران. مصر تناور من حول ليبيا بذريعة تركيا. الإمارات تضغط على السودان لتقرّبها من "إسرائيل". حصار الرباعي العربي لقطر بذريعة إيران وتركيا. الجامعة العربية تجتمع لبحث ليبيا بسبب تركيا (لا لأن ليبيا انهارت).. إلخ.
لاحقا تغيّر المشهد فأُصبحت القائمة الثلاثية ثنائية، تركيا وإيران. تغيّر موقع "إسرائيل" وتغيّر التعاطي معها. انتقلت من معسكر العداء إلى معسكر المحبّة. بقيت القرارات العربية الاستراتيجية مرتبطة بها، لكن في اتجاه آخر وشكل مختلف. أصبح الاقتراب من "إسرائيل" بسبب (وذريعة) تركيا وإيران. وسط هذه «الشكشوكة» يدخل التطبيع الإماراتي مع "إسرائيل".
هناك مرحلة أخرى في المديين المتوسط والبعيد ستتضمن إسقاط حاجز نفسي آخر وأخير ضمن عمل يستهدف المتأخرين عن التطبيع، ويجعل العداء لـ"إسرائيل" هو الخطأ وليس التطبيع معها كما كان الحال في الماضي.
الخشية الأكبر أن يأتي يوم يصبح فيه «المطبّعون» أغلبية، ويوصفون بالحكماء والأذكياء والعقلاء.. يوم تشعر فيه دول عربية رافضة للتطبيع بالعزلة، وبالحاجة للتودد من أجل التطبيع، فيقال لها: لا حاجة لنا بك!
آنذاك سيحفظ التاريخ أن التطبيع الخليجي في صيف 2020 كان الضوء الأخضر والبوابة الرئيسة.