قيادة فلسطينية موحدة وسبل كفاحية مشتركة

يُعد تأكيد الفصائل الفلسطينية التي اجتمعت أخيراً، في بيروت ورام الله، رفضها المطلق جميع المشاريع الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها منقوصة، وتحتاج لخطوات عملية لترسيخ قيادة فلسطينية موحدة، واجتراح سبل كفاحية ممنهجة ومدروسة لمواجهة التحدّيات، وفي مقدمتها صفقة القرن بأبعادها المختلفة. ويمكن الجزم بأن الخطوة التالية يجب أن تكون وضع أسس لإنهاء الانقسام الفلسطيني، والعمل بعد ذلك لترسيخ الوحدة الوطنية الفلسطينية، والاتفاق على توجهات كفاحية مشتركة على كل الصعد، حيث سقط الرهان على استمرار المفاوضات، فبعد أكثر من 27 عاماً من اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية و"إسرائيل"، تشير الحقائق إلى تضاعف النشاط الاستيطاني التهويدي بشكلٍ ملحوظ، سواء في مقياس مصادرة الأراضي أو في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، ومن بينها مدينة القدس التي تتعرّض لأكبر هجمة استيطانية منذ 1967.

ستكون وحدة الصف مقدّمة أساسية لجمع القدرات الكامنة لدى الشعب في داخل فلسطين التاريخية والمهاجر القسرية، لمواجهة التحدّيات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وفي المقدمة منها صفقة القرن والتطبيع العربي المتسارع مع "إسرائيل"، وكذلك مواجهة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والجدار العازل الذي يعد أكبر مشروع استيطاني منذ 1948، ناهيك عن السياسات الإسرائيلية الرامية إلى إخراج فكرة يهودية الدولة إلى حيز الوجود، من خلال إصدار رزمة من القوانين العنصرية الجائرة خلال العقد الأخير. ومن التحدّيات التي يواجهها الفلسطينيون بعد تعزيز المصالحة ضرورة العمل على فكّ الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وإيجاد السبل للانطلاق بتنمية مستقلة تدفع باتجاه الحد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، مثل البطالة. وقد يكون من باب أوْلى العمل على فتح أسواق عربية، من شأنها الحد من الهيمنة الإسرائيلية على التجارة الخارجية للضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تسيطر "إسرائيل" على 90% من إجمالي التجارة الخارجية، بشقيها من الصادرات والواردات.

ومن شأن المساعدات العربية بديلا للمساعدات الغربية أن تعزّز خطوات تنمية فلسطينية مستقلة عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أوقعت الاقتصاد الفلسطيني في شرك المساعدات الأميركية والأوروبية المشروطة أساساً، وفق توجهات المتبرعين، وقد تمكّن المساعدات العربية الاقتصاد الفلسطيني في تحسين أدائه، عبر فتح قنوات تشغيل وإيجاد استثمارات جديدة. ومن شأن ذلك فتح فرص عمل لآلاف الفلسطينيين. ومع تحسين أداء الاقتصاد الفلسطيني، يمكن أن تكون خيارات التعليم والصحة وإعادة إعمار ما دمرته الحروب الإسرائيلية المتكرّرة على قطاع غزة متاحة بشكل أوسع للفلسطينيين، وهذا يزيد فرص رفع سوية التنمية البشرية ومؤشراتها التي باتت معياراً لتطور الشعوب والأمم. ويمكن تعزيز الاعتراف بفلسطين دولة في المؤسسات الدولية، إذا استطاع الفلسطينيون تعزيز المصالحة بالأفعال، وليس بالأقوال والبيانات السياسية، ومن ثم التوجه بخطاب سياسي دبلوماسي موحد وجامع، بعد الاتفاق على قيادة وطنية فلسطينية موحدة، ووضع برنامج واستراتيجية كفاحية مشتركة. ولا يمكن أن تكتمل دائرة المصالحة الحقيقية من دون تفعيل دور منظمة التحرير ومشاركة الغالبية الصامتة من الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات في اجتراح سبل كفاحية ناجعة؛ والمقصود بالقوة الصامتة الفعاليات السياسية والاقتصادية، وقد يكون ذلك بمثابة جدار متين في مواجهة صفقة القرن والتطبيع مع دولة الاحتلال.

ستكون عملية تعزيز المصالحة الحقيقية بالأفعال بمثابة طوق نجاة للحدّ من الضغوط الإسرائيلية والأميركية على الفلسطينيين، ويرفع، في الوقت نفسه، من سقف الخطاب السياسي الفلسطيني، بعد مفاوضاتٍ عبثيةٍ مديدة وبائسة، بحيث يكون من السهولة المطالبة بتفكيك معالم الاحتلال، ومنها المستوطنات، عوضاً عن تجميدها. وكذلك يمكن المطالبة بتطبيق قراراتٍ دوليةٍ صادرة، ومنها المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، والسيادة على المياه الفلسطينية التي تسيطر عليها "إسرائيل"، واعتبار المستوطنات غير شرعية، خصوصاً أن هناك قبولاً بعضوية فلسطين في منظمات عديدة تابعة للأمم المتحدة.
وقد يكون أجدى للفلسطينيين بعد تعزيز المصالحة الوطنية المطالبة بتدويل عدة ملفات، خصوصا الاستيطان والأسرى والمياه، ناهيك عن ضرورة العمل لتفعيل القرارات الدولية التي تعتبر الأعمال التهويدية الاحتلالية في القدس باطلة، وفي المقدمة التغيرات الجغرافية والديموغرافية، كما تحتم الضرورة المطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الوحيد فلسطين، والتعويض المادي والنفسي عن الأضرار التي لحقت بهم إثر نكبة 1948. وثمّة قرارات دولية تدعو إلى ذلك، وفي المقدمة القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

التحدّيات الجمة التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، وفي مقدمتها صفقة القرن والتطبيع العربي مع "إسرائيل"؛ تتطلب الإسراع في تعزيز المصالحة الفلسطينية بشكل حقيقي، يتعدى البيانات والتصريحات، وإنهاء حالة الانقسام من دون رجعة، فتجميع الجهد الفلسطيني، والاتفاق على برنامج سياسي مشترك وخيارات سياسية وكفاحية مستقبلية مشتركة من شأنها أن تسقط صفقة القرن وتداعياتها المختلفة، وتحدّ، في الوقت نفسه، من السياسات الإسرائيلية التهويدية الجارفة، وفي مقدمها النشاط الاستيطاني الذي يقضم الأرض، ويرسم جغرافيا سياسية إسرائيلية قسرية، خصوصا في القدس.